شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 05 يوليو 2026م08:13 بتوقيت القدس

الحاجة فاطمة

سبعينية تتفرد بصناعة الخوص في غزة

27 فبراير 2019 - 21:24
إسلام الأسطل
شبكة نوى، فلسطينيات:

لم تمنعها سنوات عمرها التي جاوزت السبعين من مواصلة ما تعشق من عمل تعلمته وأتقنت خطواته في طفولتها البعيدة، حيث كانت أمها تمتهن ذات المهنة، تتناول الحاجة فاطمة اللحام عدّة العمل الخاصة بها "أكوام من نبات الحلفا الجاف وسعف النخيل المجفف، وإبرة خاصة تستخدمها لإتمام عملها الذي يحتاج إلى وقت طويل قد يمتد لأسبوعين، تقول لـ نوى:" لم أعد كما الماضي كما أن صناعة طبق أو مرجون أو بكرج يحتاج إلى وقت وجهد".

تبدأ عملها بتسخين الماء لترطيب سعف النخيل المجفف ثم تنطلق في صناعة الخوص الذي تتقنه منذ ما يزيد عن ستين عاماً، تتحدث عن مهنتها التي توفر لها ما يقيتها وزوجها الذي يساعدها في تجميع السعف قبل تجفيفه والبدء باستخدامه، تقول: " بدأت حكاية القش وصناعته حينما كنت أستثمر غياب أمي عن البيت وأعبث في أدواتها في محاولة لتقليدها، بمرور الوقت بدأت أتقن الصناعة".

ولكن بعد زواجها وتحت ضغط الأهل انصرفت فاطمة عن صناعة القش لسنوات واتجهت للعمل في مجال حياكة الملابس أو مساعدة زوجها في أعمال الزراعة، فاطمة التي ارتبطت بمهنة الخواصة ابتعدت عنها وعادت لتمارسها بعد سنوات من الانقطاع.

"كانت تجارة رائجة ولها زبائنها"، تقول الحاجة فاطمة وتضيف:" كان تاجر يحضر إلى خانيونس ويأخذ كل ما نصنع ويبيعه في أسواق غزة، وكانت تكفينا وتزيد".

فاطمة التي تعتبر من القلائل الذين يعملون في صناعة الخوص وربما تكون الوحيدة في قطاع غزة قامت بتدريب نساء أخريات من خلال مؤسسات تعنى بالمرأة تقول: " دربت حوالي 20 سيدة ومنهن ما قدروا يكملوا، الصنعة بتحتاج طولة بال وحب قبل كل شيء".

وتبدو البسمة على ملامح عيون الحاجة فاطمة التي تخفي وجهها بغطاء رأسها وهي تتحدث عن شعورها عندما تنهي عمل طبق أو سلة، تقول لـ نوى:" كانت هذه الأطباق تستخدم في الماضي لوضع الطعام فيما أن السلال خُصصت من أجل حفظ الخبز في مكان مرتفع، وتصنع الحاجة فاطمة سلالاً خاصة كانت يتم تجميع البيض وتخزينه فيها، ولكنها جميعاً اليوم أصبحت جزء من التراث الذي يجب الحفاظ عليه".

وعن سبب تسخين الماء ونقع السعف الجاف فيه تقول الحجة فاطمة :" لو لم أفعل ذلك سوف ينكسر الخوص وأفشل في تصنيعه".

تحويل سعف النخيل والحلفا الجافة إلى تحف فنية وأشكال جميلة أمر ليس بالهين تفردت به الحاجة فاطمة وقلائل آخرين أصبحت اليوم محض اهتمام المؤسسات المعنية بالدفاع عن التراث والأصالة وحققت مصدر دخل لها ولأسرتها."..

ولا يغيب عن ذهن الحاجة فاطمة صورة والدتها وهي تمسك "الميبرا" بأطراف أصابعها، ولسانها يسرد قصص الليالي الجميلة، تقول: "جانب مهم يدفعني إلى التمسك بصناعة القش، وهي ذاكرتي التي تعيدني إلى حكايات أمي رحمها الله، عن الأعراس وتجهيزها، والأفراح وأيامها في خان يونس، هذه الحكايات أستحضرها كلما مررت سعف النخيل وحشوة الحلفا معها لحبكة الغرزة، وتمتين السلال أو الأطباق، وكلما تعسرت حبكة، كررت المحاولة وأنا شاردة بذهني إلى أيام الماضي البعيد، فهذا دافع يبقيني متمسكة بهذه الحرفة، إضافة إلى أنها حرفة غير مكلفة، وكل ما تحتاجه توفير السعف الطازج قبل تجفيفه، وشراء اعواد الحلفا، هذه الحرفة تعيد لي روحي، ولا يمكنني أن أتركها الا بخروج روحي".

لا تكل الحجة فاطمة من مواصلة حرفتها، على الرغم من قسوة المعيشة، وآثارها البادية على يديها ومنزلها الذي بالكاد يقيها وزوجها برد الشتاء وحر الصيف، وتقضي جل وقتها في متابعة حرفتها الملتصقة بها منذ الصغر، تقول:" تراجع إنتاج صناعة الخوص بفعل الإغلاقات والحصار، وارتفاع سعر المنتجات نسبة للدخل العام للأسر، ولكن  بعض المهتمين يمكن أن يصلوا لي ويطلبوا أشياء بعينها".

الانفراجة التي بدأت تلحظها الحاجة فاطمة مع اهتمام المؤسسات المهتمة بالتراث عززت من صمودها وإحيائها لحرفة كادت تندثر، تقول : "بدأت بعض المؤسسات الكبيرة تقديم طلبات خاصة لكي أقوم بعملها مثل الجرار والسلال والأطباق وفناجين وبكارج الشاي، وهو ما عزز وجودي وأعاد للحرفة قيمتها".

وتخشى الحاجة فاطمة، وهي أم لولدين و6 بنات كلهم متزوجون، وتعيش مع زوجها المسن قرب شاطئ البحر في مواصي خانيونس على حرفة صناعة الخوص من الاندثار، وتتمنى أن تتمكن من تأسيس معرض خاص لعرض منتجاتها وترويجها لحفظها من الضياع..

 

 

كاريكاتـــــير