شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 05 يوليو 2026م08:14 بتوقيت القدس

أمهات أطفال ذوي الإعاقة مصيرهن مهدد.. بالهجر أو الانفصال

26 فبراير 2019 - 09:15
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
مها شهوان
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

لم يكن زواجهما تقليدياً، بل أصر أن تكون "أحلام" نصيبه، كونه يرى فيها الزوجة التي يود إكمال حياته معها، فكيف لا وهي جارته التي بقي يراقبها حتى غدت صبية يافعة؟

بعد مرور شهرين على زواج "أحلام" علمت أن في أحشائها طفلاً، بقيت تنتظره وزوجها على أحرّ من الجمر كما وصفت، لكن الفاجعة كانت حينما وُلد بإعاقة في رأسه جعلته لا يشبه أقرانه، الأمر الذي لم يتقبله زوجها وعائلته، فبقي يهددها بالزواج من أخرى رغم محاولاتها شرح أن ما حدث للطفل هو قدر من الله.

حاولت الأم  العشرينية ترغيب الأب بطفله "يامن"؛ لكنه ابتعد أكثر وقرر الانفصال عنها خشية أن تنجب له طفلاً آخراً معاق، فحدث ذلك حتى دخلت في مرحلة اكتئاب جعلتها لا تطيق الحياة، لكنها عادت لرشدها بعد احتواء ذويها فقاومت من أجل طفلها وتعليمه.

تقول: "رغم رفض زوجي لصغيري الذي لم يتعدى الخمسة أعوام، إلا أني سأحافظ عليه حتى يقوى ويواجه المجتمع بأكمله، فإعاقته ليست عائقا لاكمال حياته (..) وسأذكر له والده بالحسنى".

وتحكي لـ "نوى" أنها تحاول التغاضي عن نظرات الشفقة التي تطاردها حين تخرج بصغيرها، فهي تسمع كثيراً ما يرددون "يا حرام مسكينة"، لكنها باتت تقابلهم بابتسامة وترد "هو هدية ربي".

في الآونة الأخيرة وبعد الحروب الثلاث على غزة ازدادت نسبة الأطفال المولودون بإعاقات مختلفة، فليست "أم يامن" الأولى التي عانت بسبب ولادة طفل ذي إعاقة، فهناك العشرات من الأمهات اللواتي يشبهن حالتها.

يحتضنها للتسول

هنا حكاية، ترويها "سامية" (33 عاماً)، حين وضعت طفلتها الثانية بتشوّه خَلقي في أطرافها وملامح لا تشبه الأطفال الآخرين، في البداية كما أخبرت "نوى" بقيت رافضة لشكل صغيرتها لكنها سرعان ما تراجعت.

تذكر الأم بعدما انقضى من عمر صغيرتها التاسعة، أن زوجها كان يعنّفها ويعايرها دوماً، وكان ينفر منها ويضربها أحيانا دون ذنب سوى أنه سمع صراخ ابنته، فهو لا يريدها في البيت ويجاهر بكرهه لها.

تقول: "تأقلمت على الحياة حيث الإهانة والتعذيب من زوجي وعائلته، فلم يكتف بذلك بل تزوج بأخرى كانت تعايرني أنها تنجب أصحاء بينما لا أنجب سوى (المشوهين)".

وخلال تجاذب أطراف الحديث مع "سامية" حول إن حصلت صغيرتها على حضن من والدها تضحك بحسرة لترد: "يحملها للتسول عليها، فكثيراً ما كان يضربني لينتزعها ويخرج بها للمؤسسات التي تقدم الدعم للأطفال، فكان يستغل ما يُمنح للصغيرة ويبيعه ثم يعيدها للبيت دون توفير أدنى احتياجاتها".

رفض الأمهات اللواتي ينجبن أطفال ذو إعاقة من الأزواج ليست ظاهرة، بل هي حالات فردية في قطاع غزة، فلابد من تقديم الدعم اللازم لهن لتقويتهن على المسئولية التي وقعت على عاتقهن في تربية طفل ذو إعاقة، فإن اختلفت الحكايات الوجع واحد.

"أم الأهبل، العالة" هكذا تُنادى والدة الأطفال "أيمن، أمجد، بيسان" فلم تقترف ذنباً بولادة أطفال مصابين "بالتوحد".

لم يحتمل زوجها الذي ساندها بعد ولادة الطفل الأول إنجاب المزيد من الأطفال "المتخلفة" كما يعتقد، فمعايرته من قبل الجيران ومناداته بألفاظ جارحة جعله لا يحتمل العيش لتربية صغاره حتى قرر الهروب إلى خارج قطاع غزة، وبدء حياة جديدة كما تقول الأم.

وتتابع وهي تراقب صغارها الثلاثة : "أحاول جاهدة مراعاة صغاري وحدي (..) أتغاضي النظرات والكلمات الجارحة"، مضيفة: "في البداية دخلت حالة إحباط لكن بمساعدة والدتي قررت الوقوف من جديد لرعاية صغاري، لديّ أمل كبير في تحسّن حالتهم لاسيما بعد متابعتي للكثير من الأمهات اللواتي لديهن أطفال توحد".

اختلال في صحته النفسية

بدورها تقول الاختصاصية النفسية ليلى أبو عيشة: "الحروب الأخيرة على قطاع غزة خلّفت إعاقات كثيرة، ووضعت الأمهات في حالة صعبة لوجود طفل جديد معاق وجب عليها مراعاته في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة".

وأوضحت أبو عيشة لـ "نوى" أن هناك عائلات لا تستطيع تحمّل وجود طفل ذو إعاقة، فتدفع الأب أحياناً بالزواج من أخرى خشية أن تنجب له الأولى أطفالاً (معاقين)، وليتناسى الأب واقعة ولادة طفله ذو الإعاقة ويرزق بطفل سليم حسب اعتقادهم.

وعن هجران الزوجة أو تطليقها نتيجة إنجاب طفل ذو إعاقة وعدم دعمها، ترى الأخصائية النفسية أن هناك مشكلة في الزوج فهو لا يشعر بالرضا ولا يعتبر طفله ذو الاعاقة "هدية" من رب العالمين ويجب تقلبها وتقديم الدعم اللازم له، مؤكدة أن من يقوم بذلك يعاني من اختلال في صحته النفسية ويفتقر للثقة بالنفس.

وأكدت أبو عيشة أن الواقع يكون سيئاً على الأم، حيث الألم والحزن والشعور بالدونية نتيجة النظرة التي تلقها من المحيط ، لافتة إلى أنه في أغلب الأحيان تكون الأم عدوانية وبحاجة لدعم مجتمعي يكون حاضنة لها ولطفلها.

 

وفي ذات السياق يعلق د. ماهر السوسي أستاذ الشريعة والقانون في الجامعة الاسلامية بالقول: "ما يصدر عن المجتمع تجاه الأطفال ذوي الإعاقات يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية"، لافتاً إلى أن معايرة الأهالي بأطفالهم غير مبررة ويحاسب عليها الشرع.

ويؤكد السوسي لـ "نوى" أن الطفل مجرد ولادته فإن على ذوويه احتضانه ويقدمان له كل احتياجاته، ومن يتأخر عن ذلك يعتبر آثم وعاصي لرب العالمين؛ لذا لابد من تقبّل الأب لطفله وتقديم الرعاية اللازمة له ولزوجته.

ودعا أستاذ الشريعة مؤسسات المجتمع المدني والثقافة إلى السعي لتغيير المصطلحات الشائعة في المجتمع، وتوعية المواطنين بدرجة أكبر لتقبل وجود أطفال ذوي إعاقة، ولا علاقة للمرأة بإنجاب طفل بعيب خلقي لاسيما وهناك أسباب كثيرة ساهمت بذلك منها مخلفات الحروب.

 

 

 

 

 

 

كاريكاتـــــير