القدس:
"كأنّ عداد الزمن توقّف عند تلك اللحظة، باب الرحمة يفتح بأياد فلسطينية بعد 16 عاماً من إغلاقه، وسيل من الذكريات يتدفق، وقفت بهذه المنطقة، وتجوّلت في تلك، كان عمري 10 سنوات، لكنني كأني دخلته لأول مرة، إنسان جديد، ومكان جديد ظهر فجأة في حياتنا، مشاعر متناقضة لكنها بالتأكيد سعيدة" يصف الشاب عبد العفو بسّام مشاعره لحظة دخول باب الرحمة المجاور للمسجد الأقصى.
الثاني والعشرون من شباط / فبراير، تاريخ لن ينساه الفلسطينيون إذ تمكّن الآلاف منهم فتح مصلى باب الرحمة في باحات المسجد الأقصى والذي يغلقه الاحتلال منذ عام 2003 ويمنع الصلاة فيه.

يقول الشاب في حديثه مع "نوى" إنه يذكر جيداً مبانيه وقاعاته التي فتحت اليوم، بخلاف أناس لم يدخلوه نهائياً، إلا أن المشاعر كانت واحدة، رائعة وتقشعر لها الأبدان، ما بين دموع وأحضان متبادلة وتكبيرات وهتافات وأناشيد تحيّي القدس والمسجد الأقصى وفلسطين المحتلّة، مضيفاً "دخلنا القاعة وهي ليست بالكبيرة نوعاً ما، لكن رمزية المكان طغت على أي شيء، وتمسّك الاحتلال فيها خلال الأعوام الماضية ومطالبات المستوطنين بتحويله إلى كنيس جعلنا نتمسّك فيه أكثر وأكثر".
ويتابع "في الماضي أطلقت حملات للتذكير بمنطقة باب الرحمة أبرزها "باب الرحمة إلنا" لكنها لم تكن فعالة، وما أثار الضجة مجدداً الاحتلال نفسه بعد أن وضعت قواته سلاسل جديدة على بوابة باب الرحمة قبل أيام، ما أثار غضبنا واستفزازنا وتحول الأمر لاحقاً إلى مواجهات في باحات المسجد الأقصى ودعوات للنفير العام لفتحه وهذا ما تم أخيراً".

وكان الاحتلال يسعى إلى السيطرة على بناء في باب الرحمة، من أجل تحويله لكنيس، ما اعتبره الفلسطينيين خطوة إسرائيلية جديدة في التوغل أكثر في الحرم المقدسي 144 دونما داخل أسوار المسجد الأقصى.
وفي أولى ردود أفعال المستوطنين أعرب المتطرف "براهيم بلوخ" الناطق باسم "جماعات المعبد" المتطرفة عن غضبه وفشلهم، معقباً على أحداث هبة باب الرحمة، فهو يعترف أن انتصار أهل القدس وفتح مصلى باب الرحمة قد أضاع عليهم ثلاث سنوات من المحاولة والسيطرة والعمل عبر صفحته الشخصية قائلاً " شغل ثلاث سنوات ضاع في يوم واحد".
يعد باب الرحمة من أشهر الأبواب المغلقة في السور الشرقي للمسجد الاقصى المبارك، ويمثل جزء من السور الشرقي للبلدة القديمة، والباب مكون من بوابتين ضخمتين , وبينهما عمود من الحجر باب الرحمة جنوباً والرحمة شمالاً.
"إنجاز لا يستهان به، عظيم وذكرنا بهبّة باب الأسباط وإنجازها!" يقول الشاب محمد عبّاس 31 عاماً، مضيفاً "لم أكن أتوقع أن ننجح في فتح باب الرجمة والصلاة فيه في ظرف ثلاثة أيام، كنا نعلم أننا سوف نفعلها لكن الوقت في الحقيقة كان سريعاً".
ويتابع "سعادة، ضحك، بكاء، خوف، توتر، قلق، ارتياح، كلها مشاعر متداخلة ولحظية، كنا نسأل بعضنا هل فعلا هذا يحدث أم أنه حلم؟ فلحظة فتح الباب وجدت نفسي أحضن شخصا كان بجانبي لا أعرفه ولا يعرفني، لكننا كنا سعداء وهذا أبسط ما عبرنا عنه في تلك اللحظة".
وأما الشابة سارة دجاني فقد روت أنها عندما دخلت مصلى باب الرحمة للمرة الأولى في حياتها "خفق قلبي كما لم يفعل من قبل إلا حين دخلنا المسجد الاقصى عام ٢٠١٧ بعد أسبوعين من الإغلاق وتركيب البوابات الإلكترونية، والصدق أنه كان شعوراً مليئاً بالعزة والفخر بجهود أهل القدس التي أجبرت كل المرجعيات الوطنية والاسلامية على لحاقها لا على تسييرها، وقد أعادت حقاً لأهلها جزءاً من الأمل المفقود في هذه المدينة".
وتتابع أنها اعتادت سماع اسم باب الرحمة دوما مرافقاً لأخبار جولات اقتحامات المستوطنين المكثفة هناك والاعتداءات المتكررة على مقبرة باب الرحمة، فمنذ أسبوع ومنذ بدأ المقدسيون يشعرون بخطورة ما يجري هناك بعدما قام الاحتلال بتركيب قفل عليه أمور أعادت لذهنها فوراً هبة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية، مشيرة "جاء رد المقدسيين سريعاً بتواجدهم فيه لحمايته والدفاع عنه، سيذكر التاريخ تاريخين مهمين في حياة اهل القدس، ٢٧/٧٢٠١٧ حين دخل اهل القدس منتصرين و٢٢/٢/٢٠١٩ حين نجحوا بفتح مصلىً مغلق منذ ١٦ عاماً".
في السياق، أكد رئيس مجلس الأوقاف في مدينة القدس الشيخ عبد العظيم سلهب على أن مصلى باب الرحمة سيبقى مفتوحاً أمام المصلين، إلا أنه سيخضع الفترة القادمة لعمليات ترميم وإعادة تأهيل.

ونفى سلهب لـمصادر صحفية، ما تم تداوله على مواقع التواصل حول نية الأوقاف الإسلامية إعادة إغلاقه، مؤكداً "هذا المصلى إسلامي ولا يمكن السيطرة عليه من قبل غير المسلمين"، مضيفاً "المصلى مهمل منذ سنوات طويلة وبحاجة لترميم، وهو ما ستقوم به أجهزة الأوقاف وأجهزة الإعمار.. وبعد انتهاء عمليات الترميم فلن يكون إلا مفتوحاً للمسلمين فقط".
وعن الوقت الذي يحتاجه إعادة إعمار مصلى باب الرحمة، بين سلهب أن المصلى بحاجة لترميم كبير وخاصة أن الأوقاف سبقت أن أطلعت على أوضاعه قبل عدة سنوات خلال فصل الشتاء، وكانت الأمطار تتجمع فيه، وهو ما يهدد بناء المصلى وأساساته، "المصلى بحاجة لعميات صيانة شاملة، نتمنى ألا تأخذ وقت طويل إلا أنه يجب أن يأخذ حقه بالعمل والترميم".
























