غزة:
"زكش،،،زكش"، لطالما صدح بها الجمهور الرياضي في قطاع غزة أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي كلما صعد الأخوان زكش إلى حلبة المصارعة في مدينة غزة، يؤديان حركات فكاهية محببة للجمهور أثناء القتال، فما قصة العم زكش أول بائع بنطلونات "كابوي" في غزة والذي قارب عامه السبعين الآن؟
في محل ضيق صغير ما زال العم سليم حتحت المعروف بـ "زكش" لدى الناس، يبيع بضاعته من ملبوسات الكابوي منذ افتتح محله عام 1976 في شارع فلسطين وسط مدينة غزة، وهو الآن أقدم تاجر في المنطقة.
يبتسم العم وهو يروي لنوى ذكريات خمسين عامًا يرى أنه عاشها سعيدًا وإن شعر ببعض النقمة على الظروف الحالية، إذ يشهد المجتمع الفلسطيني انغلاقًا بعد الانفتاح الذي ساده في سنوات مضت كان يظن أن قادمها أفضل.
يقول زكش "أيام الشباب كنا نلعب أنا وأخي عبد الله مصارعة، وكنا نعمل حركات في الحلبة تشبه حركات مصارعين بريطانيين هما كيبر وبيتر زكش، لهيك كان الجمهور يسمينا باسمهم"، وكان اسم الشهرة يغلب اسمهما الحقيقي ولكن هذا لم يكن يضايقه أبدًا.
لم يكن هناك أندية رياضية ولا وزارات ولا مؤسسات، فالاحتلال الإسرائيلي هو الذي يحكم، أما هذه البطولات فقد كانت تنفذها عائلات مثل عائلة درابيه التي كانت تنظم بطولة المصارعة، وكثيرًا ما زار قطاع غزة شباب من الضفة الغربية للعب المصارعة التي كانت حينها أكثر شهرة وشعبية من لعبة كرة القدم كما يروي العم زكش.

لكن الأخان لم يمضيا كثيرًا في هذه اللعبة، إذ زارهم شقيقهم الذي كان يعمل في السعودية واصطحب زكش معه إلى هناك لخمس سنوات جمع خلالها مبلغًا جيدًا يفتتح من خلال مشروعًا في غزة، ولما عاد لم يكن في ذهنه مشروع محدد.
كان زكش يغادر كل يوم جمعة إلى مدينة تل أبيب لشراء الملابس والأدوات الرياضية فوقعت عينه صدفة على محل اسمه "كادش"، يبيع الكابوي "الجينز" الذي لم يكن معروفًا بعد في قطاع غزة، فقرر الاتجار بهذه البضاعة، ولدى استشارته المحيطين به حول تسمية المحل اقترحوا عليه الاحتفاظ باسم الشهرة الخاص به.
يقول "كان الثنائي زكش قويان والاسم يوحي بالقوة، وبنطلونات الكابوي هي من القماش القوي لهذا فصفة القوة تربط الاسم بالبضاعة"، ويضيف إن البنطلونات انتشرت بشكل كبير في قطاع غزة وأقبل عليها الناس، نسبيًا كانت الأسعار مرتفعة ولكن كانت الأوضاع الاقتصادية للناس جيدة ولم يكن هناك مشكلة في التجارة بهذه البضاعة.
ويضحك زكش وهو يستعرض داخل محله صورًا عمرها أربعين عامًا وأكثر حين كان شابًا، كان حينها يحمل إلى حلبة المصارعة "زرادية وشاكوش" هذا ممنوع ولكن كمان يستخدمها للمزاح والفكاهة، واستعرض أيضًا كيس نايلون عمره 42 عامًا مطبوعاً عليه اسم المحل، ويتذكر أنه حين تقدّم لخطبة زوجته باسم سليم حتحت رفضه أهلها كونه شخص غير معروف؛ وحين علموا أن سليم هو زكش تمت الزيجة خلال أسبوعين!!.

ويتابع العم "اشتريت أول مرة 500 بنطلون وطبعت أكياسًا باسم المحل "زكش"، لم تكن التلفونات معروفة، ولكن سيدة كانت تعمل في الإدارة المدنية حضرت إلى المحل صدفة ولما لم تجد فيه تلفون ساعدتني بتركيب هاتف خلال أسبوعين بينما كان يحتاج الأمر ما بين 3-4 سنوات".
عن الفرق بين البضاعة القديمة والحديثة يرى زكش أنها كانت قديمًا ذات جودة عالية وكانت البنطلونات واسعة من الأسفل تشبه الميكرفون، أما الآن فهناك بضائع صينية أقل جودة وأصبحت البنطلونات ضيقة عند القدم، وحسب رأيه قديمًا كانت أفضل، إلا أن الماركات الشهيرة الخاصة بالكابوي ما زالت كما هي.
الآن زكش هو أقدم بائع في شارع فلسطين، يرفض الاستجابة لطبلات ابنه المتكررة بتحديث المحل، فأوراق الحائط عمرها فاق الأربعين عامًا واليافطة كذلك، حيث يعتبر كل هذا هويته، حتى أنه يأتي بالبضاعة وليس لديه مخزن، كلها تصطف على الأرف وهو يؤمن بأن لديه زبونه، وأنه أكثر من يبيع الكابوي حتى الآن.
لكن زكش الذي افتتح المحل بالبيع للجنسين اقتصر منذ العام 2007 على الزي الخاص بالفتيات، ويقول: "قديمًا كان المجتمع منفتحًا جدًا، الناس كانت تأتي إلى المحل من الجنسين يشترون ما يريدون ويغادرون لا أحد ينتبه للآخر والناس كانت معتادة على ذلك، أما الآن المجتمع تغيّر وأصبح أكثر انغلاقًا، ولم يعد مقبولًا دخول الجنسين إلى المحل فقررت الاكتفاء بالبيع للفتيات".
لدى زكش أربعة أبناء هم "سامية-سامي-سعد-سامح الشهير باسم سنبل وهو لاعب كرة قدم"، أقربهم إلى قلبه سامية، لكن الرجل الذي يعتقد أنه أدى رسالته نحو أبنائه يرى في قضاء جلّ وقته مع أحفاده ثمرة نجاحه، بنى لأبنائه عمارتين وكل واحد منهما يسكن شقة متكاملة، وما زال يصرّ على الاحتفاظ بهويته دون أي تغيير على شكل ومضمون محله الصغير.
ويبدو أن العم زكش يهوى كل شيء قديم، فهو، إذ لديه سيارة شخصية من نوع فيات 1100 يعود تاريخ إنتاجها للعام 1955، وهي ما زالت جيدة ويرفض بيعها أو حتى الخروج بها إلى أماكن مزدحمة خشية تعريضها للتلف.

































