مرح الواديّة
لم تعد لغزّة ملامح ثابتة، يصفن النّاس بالأحداث الجارية والتي يمكن أن تقلب الأمور رأساً على عقب، بـ"نكشة" حسب وصفهم، وهم يؤشّرون ويخمّنون، بارتباك وقلق إلى هذه المعركة أو تلك، ما بين معركة صامتة مستمرّة أو أخرى على شكل عدوان جديد، فهذه غزّة، المدينة الصامدة في وجه حصار فاق العقد وحصد أرواح مليوني إنسان، نفسياً وجسدياً مع حروب ثلاث لم تنته، بل إنها مستمرّة في تدمير هذه الأرواح.
"ساعة بساعة أنتظر خبر وصول المنحة القطرية إلى غزّة، فماذا تنتظر من شخص يسمّى موظف لم يتقاضَ راتبه منذ شهرين؟ بفارغ الصبر ينتظر الأولاد أن أدخل المنزل عليهم وأنا أحمل مستلزمات البيت أو أي نوع من أنواع الفاكهة التي لا أشتريها غالباً إلا يوم استلام الراتب" يقول أحد ركّاب التاكسي تعقيباً على منع وصول المنحة القطرية بقرار من نتنياهو وفرصة تأخر استلام راتبه.
لم يبالغ – الموظف – بطبيعة الأمر التحدّث عن شراء الفاكهة كما بدت لنا، في التاكسي وكأنها "كماليات زائدة"، فالأوضاع المعيشية للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة وتحديداً نحو أربعين ألف موظّف عينتهم حركة حماس منذ 2007 – عقب الانقسام- أشبه بالمأساوية، إذ يعتبرون أنهم "موظفون" بالاسم نظراً لتأخّر استلام رواتبهم، واستلامها كسلف بما لا يتجاوز الـ200 دولار كل شهرين تقريباً، حيث تعتمد حكومة غزّة السابقة على المعونات المالية في صرفها.
وبذريعة التصعيد الأخير، يوم أمس الثلاثاء، قرر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقف تحويل المنحة القطرية الخاصة بموظفي حكومة غزة إلى قطاع غزة.
وذكرت وسائل إعلام عبرية أن نتنياهو قرر وبالتشاور مع المؤسسة الأمنية وقف تحويل 15 مليون دولار أمريكي لصالح الموظفين بغزة.
لم يهتم لأمر تأخّر المنحة بقدر اهتمامه لتبعات التصعيد حتى وإن كانت على حساب استلام راتبه، هكذا كانت وجهة نظر المدرّس محمود كلّخ الذي علّق "مزنوقين؟ آه مذبوحين؟ وكحيانين؟ مشلوَحين؟ مفلسين؟ ماكلين سكن؟ بنعد الثواني لدخول فلوس المنحة؟ آه؟ لكن قسماً عظماً أن كل فلوس المنحة وأضعاف أضعافها لا تسوى كعب حذاء شهيد اليوم، ليس بنقطة من دمه فقط".
وعبر طنين عالٍ يصمّ الواقع، تقول صفاء الأسطل 37 عامًا، وهي معلمّة بوظيفة من حكومة غزّة تقول إن إجازتها وإجازة أولادها برعاية كلمة "فش" بالعامية، مضيفة "فش مصاري، فش طلعات وفسح، فش زيارات، فش عزائم، فش كسوة شتاء، وفش كهربا، بس في برد وسقعة وناس بدها ديونها".
شرارة الفقر واتساع دائرته بسبب أزمة الرواتب لم تؤثر على منزل صفاء الذي يضمّ أبناءها وبناتها السبعة وزوجها فحسب، وإنما امتدّت لتظهر مرّتين أمام الملأ في قاعة امتحانات ابنتها التي تدرس الطب بجامعة فلسطين، حين منعت من دخولها بسبب عدم قدرة أسرتها على دفع أقساط الجامعة، وإجبارها على كتابة تعهّدات والتزامات أخرتها عن الدخول للامتحان، بالطبع، فهو ليس بالأمر السهل!
وتتساءل صفاء "لماذا منذ أكثر من أربعين يوم لم نسمع أي خبر رسمي أو غير رسمي أو حتى كذبة زي زمان صادرة عن أي أحد من كبارنا، فكلما تصفحت موقعاً إخبارياً محلياً أجد أن نتنياهو قرر، ليبرمان قال، موقع حدشوت نشر خبراً، والاحتلال في مواقع صرّح بذلك، أين نحن من ذلك؟ لماذا لا يوجد لا حس ولا خبر ولا أي قرار لنا؟".
قبل الإعلان عن المنحة القطرية والتفاهمات حولها، يُذكر أن موظفي غزة لم يستلموا رواتب كاملة منذ عدة سنوات، حيث يتم صرف دفعات منها بعد تنصل حكومة التوافق الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله من التزاماتها، حيث يتقاضى الموظفون العاملون في قطاع غزة 45% من راتبهم كل شهر، الأمر الذي يزيد الأوضاع سوءاً.
























