شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 05 يوليو 2026م10:38 بتوقيت القدس

حسام الذي لم يحب السباحة أبداً كيف هاجر بحراً!!!

23 يناير 2019 - 08:29
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

"ما بيعرف يسبح، وما كان يحب السباحة أبداً، ولا مرة فكّر يطلع عن طريق البحر، ما بنعرف كيف هاجر عن طريق البحر"، بهذه الكلمات تحدثت الشابة ياسمين أبو سيدو شقيقة شهيد البحر والهجرة حسام أبو سيدو الذي توفي غرقاً قبالة سواحل جزيرة فارمكونسي اليونانية قبل أربعة أيام.

وقالت ياسمين وهي تجاهد لكتم دموعها: "مثل حال كل شباب بلدنا، أعياه البحث عن عمل، اشتغل في الكثير من المهن، كان يعمل أحياناً مقابل عشر شواكل يومياً –دولارين ونصف تقريباً- المهم ألا يبقى دون عمل".

وبينما ياسمين تتحدث، كانت باقي شقيقاتها وزوج شقيقتهم رزان ينشغلون في متابعة بث حي ومباشر لجنازة حسام من جزيرة كوس اليونانية نقله أحد زملاء حسام ممن نجوا من قارب الموت، حيث شارك في تشييعه الشباب الفلسطينيون والعرب، وتم نقل المشاهد لوالدته التي عجزت عن التحدّث بسبب حالة الصدمة التي أصابتها برحيل نجلها الرابع بين أشقائه السبعة.

وكان الشاب حسام أبو سيدو "22 عاماً"، توفي غرقاً قرب شاطئ جزيرة فارمكونسي اليونانية قبل أربعة أيام بعد غرق قارب هجرة كان يقل نحو 40 شخصاً من الفلسطينيين بعد أن غدر بهم مهرّبين أتراك وتركوهم في عرض البحر في عتمة الليل بعد ربع ساعة من انطلاق المركب، دون مغيث ليلاقوا مصيرهم المجهول.

تقول ياسمين وهي تشير إلى طفل شقيقتها رزان: "هذا أيمن ابن رزان عمره أربع سنوات، كان حسام يحبه جداً، وظل يوصيها عليه حتى آخر مكالمة بيننا، تعوّد حسام من صغره التعامل مع الجميع بحنان شديد، لا ينادينا بأسمائنا؛ كان يقول يا غالية".

يرتفع صوت الآذان عبر صفحة الفيس بوك التي تنقل مراسم التشييع، وتبكي الشقيقات وهن يتكئن بصعوبة في جلستهن، صور الشاب المعلقة على جدران البيت وخارجه، بوسترات النعي بالفقيد الشاب ورائحة القهوة السادة المخصصة للعزاء، جسّدت حالة الحزن في حارته الواقعة وسط مدينة غزة وفي بيته الصغير المتواضع الذي كان يتسع لأحلامه وطموحه.

تشيح ياسمين بوجهها وهي تقول: "كان لديه طموح يريد تحقيقه، الشباب الذين يهاجرون لا يريدون الموت، ولكن أغلقت في وجوههم السبل، ولم يعد أمامهم مفر سوى الهجرة"، هنا تتدخل شقيقتها رزان لتقول: "طموحه كأي شاب أن يعيش بكرامة، نحن لاث شابات متزوجات، وأمي ليس لديها في البيت سوى شقيقي الأكبر وهو يعيش في بلجيكا منذ عامين، وبقي معها حسام وشقيقي الصغير وشقيقتنا داليا".

وتضيف رزان إن حسام أراد من سفره أن يصنع لنفسه مستقبل أفضل مثلما فعل شقيقنا الأكبر محمد، سافر إلى تركيا قبل شهر، خرج عن طريق المعبر بشكل عادي، وبقي هناك وحاول عدة مرات السفر بشكل عادي لكن تعقّدت إجراءات السفر في تركيا بسبب وجود كم كبير من المهاجرين الفلسطينيين والسوريين، هذه التضييقات دفعت حسام للقبول بالهجرة عن طريق قارب تهريب.

عادت ياسمين لتكمل حديثها: "حسام لم يكن من مؤيدي الهجرة غير الشرعية، ولا يفكر مطلقاً في حياته بالسفر بهذا الشكل، وهو لا يحب السباحة ولا البحر، وحتى حين أُغلقت أمامه الطرق لم يخبرنا أنه سيهاجر بالمركب، هو أخبر أمي فقط، لم تكن راضية وهو كان متخوفًا ولكن في النهاية خاض المغامرة، لم يكن أمامه خيار آخر".

داخل أروقة بيتهم الصغير ما يشير إلى ضيق ذات اليد لشاب توفي والده قبل ثلاث سنوات، ولم يعد للعائلة دخل سوى معاش والدهم، ظلّ مقتنعاً بأن عليه الاجتهاد لتحسين واقعه، وأن يصنع مستقبل أفضل لشقيقه الصغير كريم "16عامً" والذي كان مسؤولاً عنه، ولكن في النهاية وقع حسام ضحية ليس فقط للمهربين الذين غدروا بهم بل أيضًا وقع ضحية للانقسام الفلسطيني وأربابه ممن تسببوا بهجرة الشباب.

أما واقعة الغدر بالشباب فيرويها لـ"نوى" الشاب علي جبريل وهو أحد الناجين من قارب الموت وكان يجلس على المركب إلى جوار حسام، واصفًا إياه بالشاب الخلوق الهادئ، لم يتعرف عليه سوى أثناء السفر ولكن حسام كان طوال الطريق دائم التسبيح وذكر الله.

يقول علي وهو محامي من مخيم البريج وسط قطاع غزة إن القارب واسمه "بالم" مخصص لنقل 15 شخصاً ولكن المهربين الأتراك أجبروهم على صعود 40 شخصاً من الفلسطينيين إليه، كلهم من قطاع غزة سوى ثلاث عائلات من مخيم عين الحلوة في لبنان، وكان معهم نساء و9 أطفال.

ويروي الشاب جبريل :"كل شخص دفع 550 دولار، لكن المهربين تركونا في عرض البحر بعد ربع ساعة، بعيدا عن المياه الاقليمية بنحو 10 كيلو مترات، دون أن يعرف أي منا قيادة المركب الذي غرق لاحقاً وفي عتمة الليل فنحن خرجنا الساعة 2 ونصف ليلاً، حاولنا قيادة القارب بشكل عشوائي".

لم يعرف أي منهم قيادة المركب، ولكن الكارثة حلّت حين اصطدم المركب بأحد الصخور، فالمنطقة كلها صخرية، وتمزّق فغرقوا كلهم في البحر، وحاول الشبان إنقاذ الأطفال أولا وسحبهم إلى جزيرة قريبة، وكانت المفاجأة أن الجزيرة ليس كما توقعوا، فهي عبارة عن صخور بالكامل، وكان ظنهم أنه لها شاطئ أو رمال.

ويكمل جبريل: "وصلت جيبات الجيش اليوناني بعد 11 ساعة وكانوا يحاولون إخراج الغرقى، وأخبرناهم أننا فقدنا شاباً، فخرجت المروحيات بحثا عن حسام، لم نكن نعرف أنه اختفى بسبب الظلام الدامس سوى من ضوء القمر، لكن تبين أنه اصطدم بإحدى الصخور وغرق".

ويختم جبريل برسالة أراد توجيهها للناس "لا أحد يخرج من وطنه إلا مجبراً ومكرهًا وهم أفقدونا كل معاني الكرامة هنا في غزة" ويكمل: "رغم الظروف الصعبة التي نعيشها في الكرفانات لكن لا أحد  يفكر في العودة لأننا نبحث عن كرامتنا وإنسانيتنا وهي أشياء فقدناها في وطننا".

صورة للكرفانات التي يعيش فيها الناجون من قارب الموت

وتشير إحصائية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن 37% من الشباب في قطاع غزة يرغبون بالهجرة، وترجع أسباب ذلك إلى الظروف الاقتصادية والسياسية التي أوقعت الشباب في فخ الفقر والبطالة وانعدام الأفق مما دفعهم إلى التفكير بمستقبلهم خارج قطاع غزة، كما أمن حادثة القارب ليست الأولى من نوعها، فأواخر عام 2014 شهد فقدان أكثر من مائة فلسطيني كانوا على متن قارب متجه من مصر إلى أوروبا.

كاريكاتـــــير