غزّة:
كًثيرا ما رُويَ في الكتب كيف كان يطوف الحلاقون قديمًا بين الأزقة حاملين حقيبة جلدية فيها بعض الأدوات البسيطة، تتكون من: مكينة حلاقه يدوية، ومشط، وشفرة حلاقة، وكاسة صغيره، وقطن، و(تنتريوك) للتعقيم، وفرشاة حلاقة، وفرشاة تنظيف، وصابون حلاقة، ومنشفة صغيرة، ومقص" ليمشي مناديًا حلاق.. حلاق.
وتكتسب مهنة الحلّاق أهميتها؛ لحاجة الرجال إلى قص شعرهم أو تهذيب اللحى، فلا يكاد يخلو شارعا أو حيا من وجود حلّاقين يتزّين الرجال لديهم، ولعلّ ما أدى إلى انتشار ظاهرة الحلاقة هي قلة فرص العمل، إضافة إلى أن هذه المهنة لا تحتاج رأس مال كبير، لكن وجود هذه المحلات بشكل عشوائي يطرح تساؤلًا حول مدى توفر إجراءات صحية كافية في هذه المحلات ومدى رقابة وزارة الصحة عليها؟
منشفة واحدة
جولة إلى عدد من محلات الحلاقة يمكن أن تلحظ بالعين قلة إجراءات السلامة الصحية وضعف أساليب التعقيم في سوق فراس وسط مدينة غزة، حيث عميد الحلاقين إسماعيل الخطيب (80 عامًا)، امتهن الحلاقة منذ كان في العاشرة من عمره.
الخطيب والذي تركت خيوط مهنته علاماتها على أصابع يده تم تكريمه بوضع اسمه في كتاب الموسوعة التاريخية لمهنة الحلاقة وحلاقي مدينة غزة، وهو أول كتاب على مستوى فلسطين يجمع تاريخ حلاقي غزة منذ عام (1945م _2016م).
يقول وهو يلتقط المقص: "رغم هذا الزمن إلا أن زبائني يأتون إلي من كافة الأحياء، فكنت أستخدم الأدوات كما هي لجميع الأشخاص، ولكن منذ التطور بدأت باستخدام ماكينات الكهرباء، والموس الخاص لكل زبون حتى لا تنتقل العدوى بين الزبائن".
وحول أساليب التعقيم التي يستخدمها قال: "أخلط الديتول، والكولونيا والصابون في كوب، وأقوم بوضع الأدوات فيها بقصد تنظيفها، فالحال ضيق"، إلا أنه أقر باستخدام منشفة واحدة لجميع الزبائن، نافيًا وجود رقابة صحية على المكان، ولا يسأل الرجل الثمانيني أي شخص إن كان لديه مرض أم لا، لاعتقاده أن هذا يحرج الزبائن.
وفي مقابلة مع الشاب عادل محمد "اسم مستعار" قال إنه اعتاد الذهاب لحلاق محدد، لكنه تعرض للأذى كونه لا يغير أدواته ولديه نقص في القطن والمناشف المستخدمة، ورغم مطالبته بتغييرها إلا أن الحلاق يبرر بأنه ينسى.
أما الشاب حسام سامي، قال: "من بعد تجربتي في ظهور حساسية كبيرة في الوجه والرقبة، قررت أن أشتري جميع الأدوات واستخدمها في البيت بنفسي، فلا أثق بأي حلاق على الإطلاق، مشيرا إلى أن البعض يستخدم رش "الكالونيا" على الموس ومن ثم حرقه".
حلاقون بلا رخص
وفي رد وزارة الصحة حول الرقابة على صالونات الحلاقة، قال الدكتور نضال غنيم رئيس قسم الأوبئة بوزارة الصحة: "هناك العديد من الأمراض المعدية التي تتنقل بالدم عن طريق استخدام الشفرات، وحدوث جروح تنتقل لزبون آخر مثل: مرض الدم الكبديB-C، ومرض نقص المناعة "الإيدز".
وبين غنيم أن أدوات الحلاقة تتمثل بالموس والشفرة، وهما الأكثر سببًا في حدوث انتقال للأمراض بين الزبائن، فعندما يحلق للزبون حتى لو كان جرح سطحي ينتقل عن طريق الشفرة مباشرة، منوها الى أن المشكلة الثانية هي بتغير الشفرة ولكن دون تنظيف الموس بطريقة سليمة، فهناك استهتار من قبل الحلاقين بهذا الخصوص، ومن الممكن أن ينتقل جزء من العدوى عن طريق الموس .
وحول آلية تغيير الحلاق للشفرة، قال: "من المتعارف عليه أن يضع الحلاق الشفرة والموس في ديتول، و"الديتول" طريقة خاطئة لأنه لا يقتل الجراثيم، وعند تفكيك الشفرة التي استخدمها، يقوم بإمساكها بيده فتتلوث يده بالجراثيم والعدوى، ويقوم مرة أخرى بأخذ شفرة جديدة ونقل العدوى إليها".
وتابع غنيم أن هناك أمراض تنتقل بالاحتكاك مثل: الجلدية الفطريات والجرب، ونسبتها أقل لكنها واردة، مؤكدًا أن هناك لامبالاة في في موضوع تنظيف الحلاقين لمحلاتهم ولأدواتهم.
وبين أن من أهم العادات السيئة المستخدمة ما تعرف بالشبة، لتضميد جرح زبون معين أصيب بجرح في الموس، ويقوم بإرجاعها ويأتي زبونا آخرا يستعملها من خلفه، وبالتالي تنتقل العدوى من الأول للثاني.
ونوه أن أغلب الحلاقين يأخذ مهنه الحلاقة بالخبرة فقط، وينقل أي استخدام خاطئ من أي حلاق آخر، مبينا أن هناك مؤسسة نرويجية دعمت الحلاقين بتقديم ورشات عمل لهم وأجهزة تعقيم حديثة، ومحاضرات لكيفية استخدام الجهاز.
وأشار الدكتور غنيم الى أن الوازرة قامت بالتعاون مع هذه المؤسسة بالاتفاق مع القائمين على هذه الدورة؛ لإعطاء تطعيمات لكل حلاق وتحليل مجاني لهم ضد الأمراض المعدية لضمان مستقبل صحي وعدم نقل أي مرض لزبائنه.
وأوضح أنهم اقترحوا على بلدية غزة منع إعطاء تراخيص لأي حلاق دون تسوية شروط وزارة الصحة التي وضعت لكل حلاق، فهم داخل الوزارة يواجهون خطأ من البلدية، فعندما لا يرخص الحلاق تفرض عليه غرامة مالية، وبالنسبة للحلاق هي أرخص وأقل سعرًا من الترخيص، فتقبل البلدية بالغرامة دون ترخيص، فمن الدارج أن أغلب محال الحلاقة غير مرخصة لا يتم استدعائهم كوزارة للرقابة عليهم.
وفي نهاية حديثه قال غنيم: "ننصح الحلاقين أن يقوموا بتغير الأدوات يوميًا، واستخدام كلور 5% معقم، وأن يكون هناك ملقط خاص لإزالة الشفرة من الموس وأداة خاصة لوضع الشفرة، وعدم رميها في أي مكان خصوصًا الكثير منهم يقوم برميها فالشارع العام وتقع تحت أيدي الأطفال".
























