رفح-نوى:
"هنا القاهرة"، نعم ولكن ليس في مصر بل على الحدود المصرية الفلسطينية بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، إذ قرر الشابان نضال الجرمي ووسام مكاوي منح فرصة للناس للتجول في العاصمة المصرية بتجسيد أهم معالمها على مساحة ثلاثة دونمات، وبمنطقة تقع على الحدود بين البلدين الشقيقين سموها "مدينة القاهرة".
"هنا القاهرة"، ما إن تدخل عبر معبر رفح البري ببوابته السوداء والعمل المصري الذي يعلوه إلى المكان الواقع في منطقة رملية بأهراماتها وأبو الهول ومتحفها، وقهوة أم كلثوم وماسبيرو "مبنى الإذاعة والتلفزيون"، وجامع الحسين، ودار الأوبرا، وبرج القاهرة، كلها معالم يحتضنها مكان واحد على الرغم من تباعدها على أرض الواقع.

بشغفٍ تنقّلت الشابة أمل بريكة بين زوايا المكان المختلفة، التقطت صورة "سيلفي" عند تمثال أبو الهول وقرب الأهرامات الثلاثة التي انعكست إضاءات الليزر على ألوانها البنية الداكنة فبدت ثلاثية الأبعاد رغم أن مجسمها لا يضم سوى الواجهة الهرمية.
تقول بريكة لشبكة نوى :"المكان جميل ورائع، يجعلنا نشعر أننا انتقلنا ولو بخيالنا إلى القاهرة، نرى الأماكن التاريخية هناك بنماذج مجسّدة تشببها، غالبيتنا في قطاع غزة نملك جوازات سفر ولكن يحول معبر رفح المغلق دون تمكننا من رؤية هذه المعالم الجميلة".

تعتقد بريكة أن زيارتها لـ"مدينة القاهرة" تمنحها الفرصة لتشمّ رائحة هذه العاصمة العريقة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وتخيّل أماكنها الحقيقية، فعلى صوت أم كلثوم المنبعث من قهوة ام كلثوم شربت القهوة بانتظار بدء أمسيرة ثقافية ستنتقل إلى دار الأوبرا لحضورها.
أما الشاب أحمد عدوان والذي جلس برفقة مجموعة من أصدقائه في قهوة أم كلثوم، وعلى صوت أغانيها الشهيرة شربوا القهوة في هذا الذي يحوي كل هذه الفخامة رغم بساطته، فإلى جوار قهوة ام كلثوم يتربّع جامع الحسين، وعلى الرغم من المسافة الهائلة التي تفصل هذين المكانين في العاصمة المصرية إلا أن مدينة القاهرة في رفح جعلتهما قريبين ليشعر الزائر أنه وسط هذه المعالم في آن معًا.
يقول الشاب عدوان بعد أن اعتدل في جلسته على كرسيه الخشبي ذو الطابع المصري القديم:المكان جميل وشعبي خصة مساءً عندما يتم إشعال الأضواء التي تنعكس على هذه المعالم فتعطيها مظهرًا جميلًا في بلد يحتاج الناس فيه إلى رؤية شيء غريب وغير مألوف".

ويجزم عدوان أن الرابط النفسي مهم في المكان، فالإنسان يشعر أنه يزور القاهرة من جديد خاصة وقد سبق للشاب العشريني أن زار العاصمة المصرية ورأى هذه المعالم على أرض الواقع، ليضيف:"عندما أشتاق للعالم الحقيقية أعتقد أن هذا المكان مناسب لإضفاء الجو النفسي أنني أراها من جديد، خاصة ونحن ندخل المدينة عبر معبر رفح الذي يشبه بدرجة عالية المعبر الحقيقي".
يعمل في "مدينة القاهرة" ثلاثة من الشبان المصريين، يسهم حديثهم باللهجة المصرية على إضفاء جو قاهري بامتياز، كما أنهم يوزعون جهدهم على قهوة أم كلثوم وترتيب جامع الحسين وواجهة المتحف المصري، أما دار الأوبرا والتي لم يكتمل تشييدها فهي مخصصة لعقد الامسيات الثقافية والفعاليات الفنية تمامًا كما دار الأوبرا في مصر.
الشاب وسام مكاوي، صاحب مدينة القاهرة، يقول أن صاحب الفكرة أصلًا هو صديقه نضال الجرمي الذي شيدها معه، ويكمل:"عندما ظهرت الفكرة عند نضال طبّقها على مساحة 130 مترًا على سطح منزله هنا في رفح، وكانت عبارة عن مجسمات صغيرة لمعالك القاهرة المشهورة ولكن لا تعلو عن مترين، أعجبتني الفكرة فقررت نقلها إلى أرض الواقع وعلى مساحة كبيرة بلغت حتى الآن ثلاث دونمات".

فكرة المدينة تقوم على احتوائها لفعاليات متعددة، فهي قهوة لمن أراد وأمسيات ثقافية في دار الأوبرا لمن تستهويه، ومتنزّه يتيح المجال لرؤية نماذج مقرّبة لمعالم لا نراها إلى على التلفزيون، وكذلك مطعم ذو طابع مصري يحمل اسم مطعم مصري حقيقي ومرطبات جروبي تحمل ذات الاسم الشهير في وسط البلد بمدينة القاهرة.
لماذا مصر تحديدًا؟ يجيب وسام بأن أم الدنيا هي أقرب الدول العربية لنا، فهي تقع على حدود القطاع تربطنا بها وحدة تاريخ ودم وعلاقات اجتماعية ومصاهرة، فتراب فلسطين ما زال يحفظ ويذكر شهداء الجيش المصري الذين ارتقوا على أرضنا.
واجهت الشاب العشريني عدة معوّقات خلال العمل، فكما يؤكد الكثير من المواد الخام كان يتطلب إحضارها من الخارج وقتًا ليست بسيطًا، ومع الإغلاق المستمر للمعبر احتاج ثلاثة أشهر لإنجاز هذه المعالم التي لم تكتمل بعد، بينما كان بإمكانه إنجازها في شهر واحد فقط.
يعمل الشاب وسام مكاوي أخصائي تخدير وإنعاش، بينما يعمل صديقه نضال مهندسًا كهربائيًا وكلا التخصصين يبعدان تمامًا عن الفن التشكيلي الذي اعتمداه خلال العمل، ولكن كان يشرفان على الفنانين الذين اشتغلوه بدقة متناهية ليخرج بأبهى صوره.
عن الهدف من المشروع يقول :"نريد للناس أن تزور معالم ترفيهية من ناحية ومشاهدة شيء جديد، ومنح المواطن الجو النفسي أنه انتقل إلى القاهرة، حاليًا نحن في شهر رمضان ولكن بعد الإفطار حجم الإقبال الكبير يؤكد تعطّش الناس لشيء جديد".
يؤكد وسام أن الذين يترددون هم أناس زاروا القاهرة ويشتاقوا لها او من يتمنون زيارتها، ففي هذه المدينة كل المعالم التي يشتاقون لها، وقريبًا سيتم التعامل بالجنية المصري داخل المدينة، بل ومنح جوازات سفر يتم إبرازها على بوابة المعبر عند الدخول لمن يرتادون المكان بشكل مستمر.
مستقبلًا يعتزم الشاب وسام إتمام دار الأوبرا لتكون مجهّزة أكثر للأمسيات الثقافية، وأيضًا يستعد لإنشاء مدينة جديدة باسم "الاسكندرية، فالقاهرة أنشأها بعيدة عن الشاطئ لتكون المدينة الثانية ساحلية كما الاسكندرية الحقيقية، وسيربط بنهما كما يخطط بنهر نيل صناعي تتواجد فيه مراكب تشبه مراكب المصريين.
كل ما في المدينة جميل على أن شعورك أثناء الخروج من بوابة معبر رفح المؤدي لمدينة القاهرة يجعلك والوصول إلى مناطق رملية يمنحك الشعور بجو الصحراء الذي يقطعه المواطن الفلسطيني من وإلى مصر، لكن يبقى الامل في رؤية القاهرة الحقيقية معلّقًا على بوابة معبر رفح الموصدة.


























