غزة-نوى-شيرين خليفة:
أُسقط في يد الكاتبة دنيا الأمل اسماعيل بعد أن عجزت عن المشاركة في عدة محافل دولية، ليس فقط لأن المعابر مغلقة؛ فحتى لو فتحت؛ فهي فلسطينية "بدون"؛ أي لا تحمل هوية فلسطينية! ولا يبدو في الأفق أن قضيتها في طريقها للحل لارتباط ملف "البدون" بالمفاوضات مع الاحتلال.
تقول اسماعيل أنها ونحو 5000 مواطنة ومواطن من قطاع غزة لا يحملون الهوية الفلسطينية هم من تبقى من الفلسطينيين الذين عادوا من الخارج إلى قطاع غزة؛ ولم يحصلوا على الهوية الفلسطينية، فآخر دفعة لمنحهم بطاقات الهوية كانت عام 2005.
رزمة أوراق
تضيف اسماعيل :"الآن انضم إلى هذا العدد آخرون بعد أن تزوجوا وأنجبوا، يضاف لهم 17 عائلة دخلوا دون أي أوراق فقط يحملون الآن بطاقات تعريف"، وتكمل إنها بقيت مدة 18 عامًا دون مغادرة قطاع غزة، رغم أن الرئيس الراحل ياسر عرفات أصدر بعض جوازات السفر دون أرقام ليتمكنوا من السفر.
وتحرم اتفاقية أوسلو المواطنين الفلسطينيين الذين دخلوا قطاع غزة دون هوية من الحصول عليها، لكن المواطنين في الشتات يحصلون على جوازات سفر بلا رقم عن طريق السفارات الفلسطينية في الخارج تمكنهم من السفر إلى أي مكان ما عدا فلسطين.
لكن؛ حتى هذه الجوازات استخدامها سهل عند السفر لدول أوربية ولكن صعب بالنسبة للدول العربية كما تؤكد اسماعيل التي تضيف إن المواطن فاقد الهوية مثلها يضطر إلى حمل الكثير من الأوراق الشخصية ليثبت شخصيته، فهي تحمل بطاقة تعريف دون رقم وتحمل صورة عقد زواجها وصورة الوثيقة المصرية.

صورة لبطاقة التعريف التي تستخدمها الكاتبة دنيا الأمل اسماعيل
أما المواطنة "رنا" -والتي طلبت عدم ذكر اسمها-فمشكلتها وعائلتها ذات بعدين، تقول :"نصف العائلة جاءوا إلى قطاع غزة بتصريح زيارة واستقروا، والنصف الآخر حضروا بطرق أخرى، ما يعني عدم حملهم أي أوراق رسمية بالمطلق".
جاءت رنا إلى قطاع غزة عام 2000 قبل انتفاضة الأقصى بموجب تصريح زيارة برفقة والدها واثنين من أخواتها، وبقيت والدتها وشقيقها واثنتين من أخواتها خارج الوطن بانتظار الحصول على تصاريح زيارة، انفجرت انتفاضة الأقصى ولم تتمكن باقي العائلة من العودة للوطن، قد توقفت التصاريح وتشتت العائلة".
لا خيارات
تقول رنا :"حتى عام 2009 بقيت نصف العائلة خارج الوطن؛ وبعد الحرب عجزت أمي عن احتمال التشتت أكثر، فقدمت إلى مصر بجواز سفر بلا أرقام، كانت إحدى أخواتي تزوجت في العراق، أمي وشقيقتي حضرتا وحدهما، ولم يجدوا طريقة لدخول غزة إلا عبر الأنفاق بكل ما حملته التجربة من رعب لوالدتي وهي سيدة كبيرة السن لكنها فشلت كل خياراتها".
والدة رنا الآن بلا أوراق مطلقًا، وهي سيدة مسنة تعاني هشاشة العظام ومرض السكر وقد تحتاج إلى العلاج في الخارج في أي وقت، لكن مشكلتها تبدو غاية في الصعوبة والتعقيد، أما بالنسبة للتعليم فتؤكد رنا أن الخيار الوحيد أمامهم هو داخل قطاع غزة فقط، وتنتقد رنا دور مؤسسات حقوق الإنسان التي تتعامل مع الأمر بشكل موسمي ووفق حالات محددة وبسيطة.
تضيف رنا:"الأمر صعب جدًا، شقيقتي المتزوجة في العراق لم أرها منذ 15 عامًا، فلا أنا قادرة على السفر ولا هي تتمكن من الحضور، أما شقيقي فقد دخل قطاع غزة عام 2013 أيضًا بلا أي أوراق لكنه فضّل القدوم بأطفاله ليتمكنوا من العيش وسط العائلة".
البدون أو فاقدي الهوية أحد أهم الملفات على طاولة وزارة الشؤون المدنية كما يؤكد محمد المقادمة مدير الإعلام والمنظمات الأهلية في الوزارة، والذي يوضح إن البدون قسمين الأول هم من دخلوا قطاع غزة ضمن تصاريح زيارة وبقوا وعددهم 5000 مسجلون في وزارة الشؤون المدنية، أما الثاني فهم من دخلوا قطاع غزة بطرق أخرى مثل الأنفاق وهم عددهم آلاف، حصلوا فقط على بطاقات تعريف من وزارة الداخلية.
بالمفاوضات فقط!!
يضيف أن الشؤون المدنية تتدخل في الحالات الإنسانية جدًا مثل الحالات المرضية، فهم لا يملكون أوراق ثبوتية لتسهيل سفرهم، فتضطر الوزارة لاستخدام أي أوراق بحوزتهم، ليأخذ المواطن حقه في العلاج ولو بصعوبة فهو بالنسبة للجانب الإسرائيلي مواطن غير موجود، لعدم حصوله على بطاقة هوية.
وبخصوص التحرّك في هذا الملف يؤكد المقادمة إن الموضوع سياسي بالكامل، فالملف مكتمل تمامًا لكن لن يحلّه الاحتلال إلا في ظل أجواء سياسية معينة مثل المفاوضات، مشيرًا إلى أن قضية من وصلوا قطاع غزة بموجب تصاريح زيارة أكثر سهولة من المواطنين الذين حضروا بطرق أخرى.
ورغم أن هؤلاء المواطنين عادوا لوطنهم وهو حق العودة المكفول لهم، لكن الموضوع شائك بالنسبة للاحتلال فعمليًا هم جزء من المواطنين الذين عادوا بالإجبار، فقط إذا كان هناك حلًا باتجاه السيادة الفلسطينية يمكن حل قضية البدون بعيدًا عن الجانب الإسرائيلي.
























