بيت لحم - (نوى) :
قدمت الفنانة الفلسطينية المعروفة رنا بشارة اخر تجاربها وتأملاتها ومتابعاتها الميدانية للواقع الفلسطيني عبر معرض جديد اقيم في متحف بيت لحم. الهم الوطني والانساني لا يفارق اعمال الفنانة بشارة، اعمالها مستوحاة من الحياة اليومية لمعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال "الاسرائيلي"، ويسجل للفنانة بشارة رصدها للاحداث السياسية والانسانية من خلال اعمالها الفنية المختلفة.
تقول الفنانة بشارة حول هذه التجربة : "في الوقت الذي أخطُّ فيه هذه السطور، يتم اعتقال طفلٍ فلسطينيٍّ آخر من قبل الاحتلال الاسرائيلي ليصل عدد الأطفال المعتقلين، بحسب مؤسسة الضمير، إلى 340 طفلاً وطفلة، فلهم جميعاً أهدي هذا العمل الفني المضموني ”غصة الطفولة - 2015“ ، على أمل الحرية".
وتضيف بشارة حول هذه التجربة التي لخصتها في معرضها الجديد : "الاعتقال أصبح نهجاً يومياً، وفعلاً روتينياً لا يُحتمل. فالطفولة خط أحمر ممنوع تخطيه، كما تنص عليه اتفاقيات حقوق الطفل. وهذا يشعرني بالمسؤولية لأفعل شيئاً لأولئك الأطفال الذين تسرق طفولتهم كذباً وبهتاناً. أنا لا أحمل بندقية للدفاع عنهم، لكن، من خلال ريشتي، وأسلوبي الفنّي المضموني والانشائي والأدائي أحياناً، أحمل قضيتهم ليس فقط في فلسطين، بل وللعالم أيضاً، تصدر من القلب، لتصل الي القلب"
وترى ان حضورها واعمالها الفنية نابعة من واقع الالم اليومي : "نعم.. سلاحي ريشتي، وجعبة ألوان أستعين بها للتعبير عن الظلم الواقع عليهم ! هكذا أرفع الصوت في وجه الظلم، وألوذ إلى السهل الممتنع، والحلو المر من أعمالي لأوصلَ رسالة ذات معنى، للدلالة على مدى هشاشة المواقف حين يقف أطفالنا بكل براءتهم ليواجهوا هذا الاحتلال بأشكاله المختلفة، ومنهجيته المريضة، البعيدة كل البعد عن الانسانية والعدالة".
صوت الفنانة بشارة يتحول الى اعمال بصرية باساليب حديثة تعالج مختلف المواضيع وفق رؤية تسجل فيها الحدث من خلال عمل فني يمكنه ان يسهم في رفد الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال الجانب الثقافي والفني : "هكذا أرفع الصوت لإظهار المستحيل الذي يُمارَس ضدهم بشتى الطرق. والقانون لا يرحم، فهو المشجع على قتل الأطفال واعتقالهم، وإلا كيف يصادق البرلمان الإسرائيلي بالقراءه الأولى، والقراءة الثانية على مشروع قانون لتخفيض السن المسموح مثوله أمام المحاكمة إلى سن الثانية عشرة، مع العلم أن سن الطفولة في الشرعة الدولية هي حتى ثماني عشرة سنة. أما في حال أطفال فلسطين، فالوضع يختلف، فهم يحاكمون، وهم في سن الثانية عشرة، وتُسلَب منهم براءتهم، وتحاك لهم قوانين كما لو أنهم بالغين".
وتضيف الفنانة بشارة في هذا السياق :"عملي الفني " سبوره مع وقف التنفيذ -2016 " هو بمثابة اختزال مأساة جيل كامل من الأطفال، يحصون أيامهم وهم في الاعتقال، بدلاً من أن يكونوا في المدارس، مكانهم الطبيعي، ينهلون من العلم والمعرفة. الطفل احمد مناصره ( 14سنة)، كرّمته بعملي الفني ”عيد ميلاد أحمد مناصره الرابع عشر…! “ الذي تُرك لينزف والشتائم تنهال عليه، في غياب الضمير العالمي، فهو الشاهد على الإعدام الميداني لابن عمه الشهيد حسن مناصرة رحمه الله، ولم تشفع له طفولته، فبات رمزاً الصبر والرجولة.!! وهو ما زال بعد طفلاً ! بانتظار نطق الحكم عليه، وأي حكم؟!".
وتسألت بشارة عن العدالة التي يمثلها الاحتلال "الاسرائيلي" بالقول :"أي عدالة ترتجى في ظلّ احتلال احلالي استيطاني يسرق من الأطفال طفولتهم؟ لا عجب إذن أن تصبح ألعاب الأطفال وأدواتهم اليومية رموزاً شائكة، يسلب منها معناها الطبيعي ودورها الحقيقي. هكذا تختطف الطفولة من أصحابها دون رادع، لذلك استعين بأدوات الأطفال وأشيائهم اليومية، أطوّعها مضمونياً، للتعبير عن القهر والظلم الذي يمارس على أطفالنا العزّل، وإعلاء الصوت ضد الظالم وتعريته".
وتشدد الفنانة بشارة على ان العمل الفني هو سلاح فعال في وجه الاحتلال "الاسرائيلي" :"العمل الذي أعطيته عنوان "كلبشات سكرية -2016“، عبّرت من خلاله عن اعتقال الأسيرة الطفلة المحررة ديما الواوي التي بلغت سن الثانية عشرة قبل عده أشهر؛ كما أن العمل المعنون " بالونات القهر- 2016 “، يعبّر عن الطفلين الأسيرين، شادي فراح (12 سنة) وأحمد الزعتري (13سنة) اللذين كانا رهن الاعتقال منذ أكثر من عشرة أشهر، وما زال مصيرهما معلقاً، الى يومنا هذا، بانتظار النطق بالحكم النهائي".
وتشير بشارة يكفي مشهد واحد من مشاهد الرعب الكثيرة، التي كنت شاهدة عيان عليها، في المحاكم الاسرائيلية ليدبَّ الرعب في نفوس أهالي الأطفال، فكم بالحري حين يتعلق الأمر بالأطفال القاصرين أنفسهم! جيل كامل مستهدف لا يعرف طعم الراحة ولا الطمأنينة، والمشاهد تتكرر وتزداد عنفاً وعنجهية.
وتقول الفنانة بشارة في ظلّ التعتيم الاعلامي الإسرائيلي والعالمي المتواطئ مع الاحتلال، "أشعر بمسؤولية حمايتهم وإعلاء الصوت، لإنقاذهم من هذا الظلم والقهر الذي يسلب طفولتهم في زمن تنكرت لهم العدالة وصمت عنهم المجتمع الدولي، تاركين أطفالنا عرضة للانتهاكات، ومحاكمتهم دون حسيب أو رقيب. وأبسط مثال على ذلك، الطفل المقدسي معاوية علقم (أربع عشرة سنة) الذي ما زال يقضي حكمه بالسجن الفعلي لمدة ست سنوات ونصف، وعشرة أشهر وقف تنفيذ، إضافة إلى غرامة مالية قيمتها 26 ألف شيكل".
وتضيف هناك ايضا مثال اخر على جرائم الاحتلال "الاسرائيلي" : "حرق عائلة الدوابشة وهي آمنة في منزلها في قرية دوما، ونجاة ابنهم أحمد ليبقى شاهداً علي الجريمة. أما عملي الفني وندائي "محكمة الجنايات الدولية – 2015" فأهديه إلى روح الرضيع الشهيد علي دوابشه ووالديه الشهيدين: رهام وسعد دوابشه، وروح الطفل الشهيد محمد أبو خضير الذي خطف من أمام منزله وحُرق حيًا- 2015, الجرائم التي ارتكبت بحق الطفل محمد أبو خضير وعائله الدوابشه فاقت كلَّ احتمال لمدى بشاعتها ، حد أني عجزت عن التعبير بأية وسيلة، كما لو أن إبداعي اختطف مني وصُلِب على خشبة الضمير العالمي المتفحم".
وخلصت الفنانة بشارة قولها بالرحمة لجميع الشهداء والاطفال منهم والبالغين في ظل محتل غاشم يتفنن بإجرامه، ويفتخر بالتنكيل بالأطفال، في وقت لا يزال فيه المجرمون أحياء مكرّمين، أما العدالة فلا زالت نائمة.























