غالباَ ما تسحرني (جوليا روبرتس) في معظم أفلامها، وكثيراً ما أحببت أدائها في فيلم(Pretty Woman) مع الوسيم (ريتشارد جير). أبدع كلاهما في تجسيد شخصيتين إشكاليتين تتجسدان في " عاملة جنس" ورجل أعمال يبيع ويشتري الشركات المفلسة بأمواله الطائلة. فجسدت روبرتس دورها بجرأة غير معهودة، كما أبدع جير في تعاطيه مع "عاملة الجنس" بذكاء لم تعهدها السينما في طرح هكذا إشكاليات.
ما بين مفهومين متناقضين، أحدهما يعتبر العمل بالجنس عنفاً ضد المرأة واستغلالاً لها، وآخر يرى أن امتهان الجنس يقع في مجال الحريات الشخصية، فإنني أعدت مشاهدة فيلم روبرتس، استدعاه موقف حصل معي مؤخراً برفقة أخي في أحد مولات عمان. كنا نستعد لمغادرة (المول)، وأدهشنا ما شاهدناه معاً، فهذه عاملة جنس تتوسط شابين، وإذ بأخي يقف مشدوهاً بما رأى ويقول: ما هذا؟
وكعادتي صفنت كما يعهدني في هكذا مواقف تستدعي الاستنكار، فاستعاد عبارته قائلاً: "أتعرفين بأنني لا ألوم هؤلاء الفتيات، ولا أتخذ منهن موقفاً سلبياً؟ كثير منهن يمارسن هذه المهنة لظروف صعبة مررن بها..." فعقبَت على كلامه قائلة: صحيح، وأتفق معك بالمطلق، إذ يصعب على المرأة منح جسدها لرجل لمجرد هدف ميكانيكي. المرأة يا أخي تمارس الحب في الغالب، ولا شيء غيره.
وبالعودة إلى فيلم (Pretty woman) عملت جوليا روبرتس والتي جسدّت دور فيفيان، بعدة وظائف لم تستطع فيها جمع إيجار لمنزلها، إلى أن تعرفت على فتاة تمارس عمل الجسد، لتقع الأولى أسيرة حب المال وسطوته، دون أن تخضع لسمسار يبتزها ويسرق مالها.
هذا الفيلم أعادني إلى رائعة باولو كويلو "إحدى عشرة دقيقة" والتي قرأتها في العام 2009، حيث بطلتها (ماريا) التي قبل أن تصبح عاملة جنس، كانت ككل الفتيات، لها أحلام صغيرة تتعلق بالنزول بملابس السباحة إلى البحر، وأن ترى ماذا يفعل الناس في العاصمة، ليصبح البحر قدرها الذي عرّفها على رجل سويسري عرض عليها عملاً تجني من خلاله دولارات كثيرة، وفعلاً غادرت البحر معه وبدأت حكايتها مع مهنة الجسد.
ماريا وفيفيان، أدركتا في مهنتهما أن كل شيء مباح عدا تقبيل الزبون. فتشكل الأذى في داخلي، وأدركت مقدار الوجع الذي تعيشه العاملات في هذا المجال من احتمالهن لمنح أجسادهن لرجال كريهين أو ساديّين أو متعجرفين.
إن الأنثى كائن خلاق، استثنائي وحساس، إن عاشت ظروفاً عادلة فلن تعرف سوى الحب مع الرجل، وما يشاع أن شهوتها وغريزتها هما ما يحكمان مسارها مع البشر ليس إلا هراء يجافيه الواقع، وخضوعها لابتزاز الرجال، فهو لأنها عانت قهراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً أجبرها وأودى بها إلى "التهلكة". ولنكن منصفين، فمشاعر عاملات الجنس لا تقل قيمة عن مشاعر غيرهن. فهنّ من طين، قابلات للهشاشة والانكسار والهروب للخلف. إنهن باختصار لم يجدن، أو لم تتوفر لهنّ بوصلة حياة كريمة، فوقعن في الهاوية ودخلن المجهول بكل ألغامه.
بالمقابل، لن أنكر أن بعض الفتيات توجهن لهذا النوع من المهن بسبب معاناة فقط، فمنهنَ صاحبات دوافع نفسية انتقامية من الذكورة، ومنهنّ جربن ذلك بداعي الفضول وحب المال والرغبة، إلا أنني لن أتنكر أمام كل ذلك إلى وجود معاناة لاحقة تضعهن في مأزق الخروج من تلك الدائرة التي تتسع لتبتلعهن وكأنهنّ في رمال متحركة، ما يجعلني أراهنّ على أنهنّ ضحايا لكل تلك المسببات. ولنكن منصفين، فلا شيء أصعب من احتمال امرأة لدقائق مع رجل لا يجمعها به أي ارتباط روحي ووجداني خالص لوجه الحب.
لكنني أمام كل مراهناتي تلك، فإنني أستعيد قولاً لـ (علي شريعتي) مفاده: " أشفق على الفتاة حين تسوء سمعتها، فهي لا تستطيع تربية لحيتها لمحو تلك الصورة". ثم استعدت بوحاً لشخصية اسمها (وردة الصحراء)، عاملة جنس، في رواية قواعد العشق الاربعون تقول فيها: " إن بيوت البغاء التي تضم نساء مثلي، موجودة منذ بداية الزمن، إلا أن هناك شيئاً يدهشني، وهو لماذا يقول البعض أنهم يكرهون رؤية البغايا، وفي الوقت نفسه يصعّبون الحياة على البغي التي تريد أن تتوب وتبدأ حياة جديدة؟ وكأنهم يقولون لنا إنهم يرثون لحالنا لأننا سقطنا إلى الدرك الأسفل، لكن يجب علينا أن نبقى في المكان الذي سقطنا فيه إلى الأبد" انتهى الاقتباس.
إن امتهان الجسد غالباً ما يكون جبراً وقسراً، وليس اختياراً أو رغبة، وامتهان الجسد جرح عالق في الروح. هنَ آدميات، وهم مستغلون أو مرضى أو جاحدون ومتنكرون لآدميتهن، ومن تسلك تلك الطريق لأي سبب كان، وأرادت الخلاص منه فإن المجتمع لن يغفر ولن يعفو ولن ينسى، فربما سيبقين في عملهن فيكون جلد ذاتهنّ أقل مرارة من جلد مجتمع بأسره لهنّ، ليصبحن ضحايا لا مجرمات.
























