نوى/ غزة/ ميرفت عوف
هذه الحرب (نوفمبر 2012) أعادت لزينات السموني طقوس الحرب الماضية، فالموت الذي فرت منه واسرتها بأعجوبة سابقا, هو ذاته يطاردها ويطارد عائلات على شاكلة ما جرى مع عائلتها.
زينات السموني, 39 عامًا، وهي أرملة الشهيد عطية وأم الشهيد الطفل أحمد، تعرف معنى الحرب جيدا، وهي التي انحرق قلبها في عام 2008.عندما دمر بيتها، واستشهد ابنها وزوجها، و70 من أفراد عائلتها، في مجزرة عائلة السموني في حي الزيتون في غزة، التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء الحرب على غزة، ديسمبر 2008.
تقول زينات:" في اللحظات الأولي للحرب بدأت الاتصالات تنهال عليها وتطلب منها أن تستضاف هان أو هناك، لكن مجرد الخروج من المنزل على أصوات الصواريخ كان يعني بالنسبة لها أنها ذاهبة إلى النهاية" وتضيف" مكثت في بيتي أربعة أيام لا أستطيع الخروج لأهلي من شدة الرعب والخوف الذي تواجدت فيه، لم أعرف فعل شيء سوى تلاوة القرآن الكريم"، كلما ضرب صاروخ تفجرت مشاعر مرعبة في نفسي، التي لم تلبث أن تسكن في بيت بني من جديد على أيدي أهل الخير على أنقاض بيتها القديم الذي حدثت فيه المجزرة .
خرجت زينات وهي تطلب من أبنائها السير بشكل مستقيم وبالقرب من بعضهم البعض بهدف "أن تكون الشهادة جماعية" فكما تقول كانت الأجواء بالنسبة لها مميتة في أي لحظة .
ووصلت بيت أهلها على أمل يتوقعه كل من عرف بحالها أن الأمور ستتغير وستشعر بالاطمئنان، لكن هذا لم يحدث ، لقد حولت بيت أهلها لبيت مهجور لا تريد فيه أن تسمع كلمة أو ضحكة لظنها أن هذا الحال شؤم على أهل البيت.
في الدقائق القليلة التي كانت تغفو فيها زينات كانت الكوابيس تلاحقها، تروي أحدها قائلة:" رأيت في مرة أنا اليهود أمامي ويسلطون أسلحتهم ضدي، فكنت أصرخ .. طخونا ..طخونا .. احنا شهدا يا أمي .. طخونا يا يهود".
وللأطفال حال مؤلم
الصغيرة أمل،12عامًا، ما زالت تحوى رأسها الصغيرة شظايا من الحرب السابقة, وفي هذه الحرب عاشت أجواء قاسية زادها أسلوب أمها وخوفها الشديد ولها، تقول أمل:" كنت التزم كلام أمي، فلا أتكلم إلا للضرورة ولا أضحك ولا ألهو مع أحد طيلة أيام الحرب"، وتتابع" كنت أتخيل كل ما رأيته في الحرب السابقة، حتى التي لم أراها وسمعتها بعد الحرب كنت أتخيلها".
أمل التي ما زالت تحتاج لعلاج دقيق بسبب صعوبة أماكن تواجد الشظايا في رأسها كانت تهتز مع ضربة كل صاروخ ثم تفيق تلملم جسدها، هل ما يزال بخير ؟!
اما محمود الابن الأكبر،14 عامًا، كان ينصاع لطلب أمه دون تردد فهو يعلم كم كانت تجربتهم قاسية قبل أربع سنوات، يقول:"كان أبناء خالي يحاولون أن يقضوا وقتهم بشكل عادي، لكن أمي كانت تمنع الجميع من الضحك واللعب والخروج، وكنا نرتعب عند ضرب الصواريخ من حولنا"، لم يصدق محمود عندما دخلت الهدنة حيز التنفيذ أن الوقت سيعود كما كان قبل الحرب، ذهب لينفذ وعد أمه فاشتري "صينية حلويات" وعدتهم بها إذا انتهت العملية دون أن يمسها سوء وأهلها وأخذ يطعم كل من وجده في طريقه !!
جرح غائر
أكد د.سمير زقوت الأخصائي النفسي في برنامج غزة للصحة النفسية، على أن الصدمات النفسية تترك جرحًا غائر أكثر من الجرح الجسمي الذي ممكن أن تلتئم.
ويوضح د. زقوت ان ما حدث بعائلة السموني من رعب شديد في الحرب الأخيرة كان طبيعي لأن ذلك أعاد لهم إمكانية تكرار ما حدث في الحرب الماضية. وقال:" اعتقدوا أنهم ما زالوا المنطقة الرخوة التي يدخل منها الاسرائيليين ليقتلهم ويدمروا منازلهم، ويفعلوا بهم ما يشاءوا دون أن يجدوا من يحميهم، لذلك كانت الصدمة شديدة جدًا عليهم". ويشير د. زقوت أن الأطفال والنساء الأكثر تأثرا بتلك الأحداث، مبررا ذلك بان الأطفال استيعابهم لصدمة من ناحية عقلية أقل نضجًا وخبرتهم في الحياة ليس خبرة الكبار، وقال :"التعرض لصدمة في الطفولة شيء خطير جدًا"، وأضاف هذا يحتاج علاج نفسي ووقت طويل لمحو آثار الصدمة.























