غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كانت مجدية الأسطل تُعدّ أكثر من خمسين رطلًا من العجوة في موسم البلح، وتستقبل الطلبات التي تصلها مسبقًا لاستخدامها في صناعة الكعك والحلويات.
كان البلح يأتيها من أشجار النخيل التي تمتلكها، فتتحول الثمار بين يديها إلى عجوة ودبس ومربّى، ويغدو الموسم مصدرًا للرزق وموعدًا متجددًا مع حرفة اعتادت ممارستها عامًا بعد آخر.
لكن الأشجار التي كانت تمنحها الثمار جُرّفت، ومعها منزلها وسائر أشجارها المثمرة. وحين عاد موسم البلح، لم تعد مجدية إلى ما اعتادت فعله. لم يعد في متناولها محصول تصنع منه العجوة بكميات كبيرة، وصارت بالكاد تستطيع شراء البلح بالكيلو.
تختصر ما حلّ بموسمها بالقول: "كان حزينًا، كئيبًا، فارغًا".
لم تخسر مجدية أشجار النخيل وحدها، بل خسرت معها حرفة ارتبطت بأيامها، ومصدر رزق كانت تنتظره، وطقوسًا كانت تتجدد مع نضوج الثمار.

حكاية مجدية لم تكن استثناءً من خسارات طالت علاقة الغزيين بأرضهم؛ فالمواسم في غزة لم تكن مواعيد لنضوج الثمار وحصاد المحاصيل فحسب، بل كانت أيامًا تنتظرها العائلات لتجتمع حول الأرض، وتتقاسم العمل وخيره، وتستعيد طقوسًا تتكرر كل عام.
كان لموسم البلح أيامه التي تبدأ بجني الثمار ولا تنتهي إلا بصناعة العجوة والدبس والمربّى، وللزيتون موعد تجتمع فيه العائلة تحت الأشجار، وتتوزع المهام بين أفرادها، قبل أن يعود كل منهم إلى بيته بنصيبه.
لكن الإبادة التي طالت الأراضي الزراعية والأشجار المثمرة، ودفعت العائلات إلى النزوح وفقدان مصادر رزقها، قطعت دورة حياة كاملة، وغابت معها تفاصيل كانت تمنح الأيام معناها، وتحفظ للعائلات صلتها بالأرض وثمارها. ولم يعد الموسم، في حالات كثيرة، موعدًا للعمل والإنتاج واجتماع الأحبة، بل صار مناسبة لاستحضار ما فُقد من الأرض والحياة التي كانت تدبّ فيها.
كانت صورة تتكرر في مثل هذا الوقت من كل عام، وتتوزع فيها الأيدي بين قطف الثمار وجمعها، فيما يجمع العمل أفراد العائلة حول مكان ألفوه وارتبطت به ذاكرتهم.
وعلى أرض الزيتون، يحمل أبو محمد أبو عامر خسارة من نوع آخر، فقبل الإبادة، اعتادت عائلته، من إخوته وأمه وأبنائه وزوجته، أن تجتمع وتتجه إلى الأرض لقطف الزيتون.
كانت صورة تتكرر في مثل هذا الوقت من كل عام، وتتوزع فيها الأيدي بين قطف الثمار وجمعها، فيما يجمع العمل أفراد العائلة حول مكان ألفوه وارتبطت به ذاكرتهم.
يتذكر أبو محمد السادس من أكتوبر 2023 بوصفه آخر مرة عاش فيها الموسم كما عرفه. يقول: "كنا قد قطفنا الزيتون، وننتظر إرساله إلى المعصرة في اليوم التالي، الذي لم يأتِ أبدًا".
توقفت الحكاية عند ذلك الموعد، فاليوم التالي الذي كان يفترض أن يحمل الزيتون إلى المعصرة لم يأتِ كما انتظره، ولم تتكرر صورة العائلة في الأرض كما اعتادت.

وبعد عودته إلى منطقته، وجد أبو محمد أن الأشجار التي كان يقطف ثمارها لم تعد موجودة، وأن الحجارة التي كانت جزءًا من المكان الذي يعرفه غابت هي الأخرى. عاد إلى أرض ارتبطت بذكرياته ولقاءات عائلته، لكنه لم يجد المشهد الذي ألفه، ولم يبقَ له، كما يروي، سوى الذكريات.
لم يكن الزيتون بالنسبة إلى أبي محمد محصولًا ينتظر نضوجه وحسب، بل مناسبة سنوية تجمع أفراد العائلة حول عمل مشترك، وتعيد إنتاج صورة ألفوها عامًا بعد آخر. ومع غياب الأشجار، غاب المكان الذي كان يحتضن ذلك اللقاء، ولم يعد الموسم يتيح للعائلة ما اعتادته من عمل وألفة، ولا فرصة لصناعة ذكريات جديدة.
وبين أشجار النخيل التي فقدتها مجدية، والزيتون الذي لم يجده أبو محمد عند عودته، تتسع الخسارة لتتجاوز المحصول ومصدر الدخل.
فالأرض كانت أيضًا مساحة تتوارث فيها الأجيال خبرات الزراعة والقطاف والتصنيع الغذائي، وكانت المواسم تتيح للناس تحويل الثمار إلى منتجات تُحفظ للاستهلاك المنزلي، أو تُباع لتوفير الدخل، أو تُهدى إلى الأقارب والجيران. طقوسٌ لم تكن قيمتها فيما تنتجه الأرض وحده، بل فيما تجمعه حولها من عائلات، وما تحفظه من تفاصيل الحياة التي اعتاد الغزيون أن تتجدد مع كل موسم.
























