غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"هل سنجوع مجددًا؟ ماذا لو خزّنّا بعض المعلبات؟" ينطق طفلٌ يحمل في قلبه ذاكرة عامٍ كامل من الجوع، بينما أمه تقف عاجزةً لا تملك جوابًا ولا حتى مالًا يحقق ما يفكر فيه.
منذ أيام، تخرج فتحية كل صباح إلى السوق، وتمشي بين البسطات وقلبها يخفق، تبحث عن أصناف اعتادت رؤيتها فلا تجدها، وتسأل عن أسعار أخرى فتعود بيدين شبه فارغتين. تقول: "أنا مرعوبة من فكرة عودة المجاعة، تلاحقني مشاهدها في كل لحظة".
في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي وقف دخول البضائع التجارية، متذرعًا برسوم قال "إن حركة حماس تفرضها على الشاحنات"، وهو ما نفته الحركة.
ولم يكن السوق يحتمل صدمة جديدة أصلًا؛ فقد كانت أسعار الغذاء في سبتمبر أعلى بنسبة 204% مما كانت عليه قبل أكتوبر 2023، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). ومع الإغلاق، ارتفع سعر كيس الطحين إلى نحو 80 شيكلًا، بعدما كان يتراوح بين 25 و35 شيكلًا.

في خيمة فتحية، الواقعة في ساحة السرايا وسط مدينة غزة، تحوّل الغلاء إلى حساب يومي دقيق، لا يقتصر على ما يمكن شراؤه، بل يمتد إلى عدد الوجبات ومواعيدها. تخبرنا: "بتّ أقتصد في الوجبات، وأؤخّر موعد الإفطار والغداء، كي لا يطلب أحد أبنائي العشاء". وتصمت قليلًا قبل أن تضيف: "هم يعرفون ماذا أفعل. لا يتذمّرون، بل يحاولون مساعدتي كي لا نقع في مستنقع الجوع مجددًا".
ولأن "المصائب هنا لا تأتي فرادى"، كما تقول فتحية، جاء الخبر الثاني من الجهة التي كان الناس ينتظرون منها السند؛ إذ خفّض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين من مساعداته من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، اعتبارًا من أكتوبر الجاري، وقلّص عدد الوجبات اليومية من 250 ألفًا إلى 150 ألفًا. والسبب، كما أكد القائم بأعمال المدير التنفيذي للبرنامج، كارل سكاو، نقص التمويل، لا تراجع حاجة الناس.
يعرف النازح خالد المناصرة جيدًا ما يعنيه ذلك، فكوبونه يصله كل أربعين يومًا، ويحمل قليلًا من العدس والسكر والحمص والصلصة والدقيق. لم تكن الكميات كبيرة، لكنها كانت تمثّل شيئًا يمكن الاتكاء عليه.

يصف ذلك بقوله: "كانت هذه المساعدات بمثابة إبر بنج.. قليلة، ونعرف أنها لن تدوم، لكنها كانت تسد جزءًا مهمًا من احتياجاتنا".
ينظر خالد حوله إلى الخيمة التي يسكنها في مخيم اليرموك وسط المدينة، ويتساءل: "من يعيش في خيمة يحتاج إلى كل شيء. كان الوضع صعبًا قبل الحرب، فكيف هو اليوم؟".
وعلى بُعد خيام قليلة، يقف محمد جندية أمام بسطة خضار، يتأمل ما عليها من دون أن يشتري. يشير إلى ما آل إليه الحال قائلًا: "لا نستطيع شراء البندورة ولا البصل، صرنا نشتري بالحبة، وهذا كان مستحيلًا قبل الحرب".
لكن ما يوجعه أكثر من عجزه عن الشراء، هو ما يراه في عيون أطفاله. يتحدث بحسرة: "أحزن على نفسي وعلى أطفالي كلما اشتهوا شيئًا ولم أستطع تلبيته".
مع اقتراب الشتاء، تضيق الخيارات أكثر، ويصبح تأمين الطعام منافسًا لتأمين أبسط مستلزمات الدفء.
ثم ينبّه إلى أن هناك أطعمة لا يعرف صغار غزة طعمها أصلًا، ولا سيما أولئك الذين وُلدوا عام 2023، قبيل الحرب أو مع أيامها الأولى. جيلٌ كبر وهو محروم من مذاقات كثيرة، حتى باتت بعض الأطعمة التي اعتادها أطفال العالم أشياء لا يعرفها.
ومع اقتراب الشتاء، تضيق الخيارات أكثر، ويصبح تأمين الطعام منافسًا لتأمين أبسط مستلزمات الدفء. يسأل خالد نفسه كل يوم: "هل أستعد للشتاء، أم أوفّر ثمن كيس الدقيق؟".
وليس هذا السؤال شأنه وحده؛ فالمنظمة الدولية للهجرة تقدّر أن الإمدادات المتوفرة والمتوقعة لا تغطي سوى نحو 17% من احتياجات الشتاء.
على الورق، يُلزم الاتفاق "إسرائيل" بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا على الأقل، لكن ما يدخل القطاع أقل من ذلك بكثير.
وعلى الورق، يُلزم الاتفاق "إسرائيل" بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا على الأقل، لكن ما يدخل القطاع أقل من ذلك بكثير، ففي أسبوع كامل من أكتوبر، لم تعبر سوى 530 شاحنة مساعدات، جميعها عبر معبر كرم أبو سالم جنوبي القطاع، ويأتي ذلك فيما يواجه 1.4 مليون إنسان، أي نحو ثلثي السكان، انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.
لم يُطبَّق قرار تقليص المساعدات على خالد بعد، لكنه يرى أثره في وجوه الآخرين، ويخشى أن يصل إليه الدور. يقول: "نحن متضررون"، مضيفًا: "الناس تسير في الطرقات وهي تكلّم نفسها".
ولا يطلب الرجل أكثر من أمنية واحدة: "أن يبقى الدعم الإنساني"، أما فتحية، فتعود من السوق كل يوم بأقل مما خرجت لأجله. تؤخّر الإفطار قليلًا، والغداء قليلًا، وتنتظر أن يغفو الصغار قبل أن يتذكّروا العشاء، وحين يسألها أحدهم مرة أخرى: "هل سنجوع؟"، تبتسم، لأنها لا تعرف ماذا تجيب.
























