غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في غزة، لم تعد أزمة المياه مرتبطة فقط بشحّها أو صعوبة الوصول إليها، بل بمدى سلامة ما يصل إلى السكان منها. ومع تضرر مرافق المياه وشبكاتها، وتراجع القدرة على فحص مصادرها، باتت العائلات تواجه سؤالًا آخر بعد العثور على الماء: هل يمكن شربه بأمان؟
هذه المخاوف تتكرر في شهادات سكان يقولون إن مياهًا حصلوا عليها من مصادر مختلفة تسببت لهم بأعراض مرضية، فيما يجد آخرون أنفسهم مضطرين لاستخدام المياه المشكوك في سلامتها لأغراض أخرى، أو البحث عن مصادر بديلة أكثر كلفة وبعدًا.
في مدينة غزة، تعيش آلاء جمعة وعائلتها واحدة من هذه التجارب، إذ تحولت المياه التي يفترض أن تروي عطش آلاء جمعة وعائلتها إلى مصدر مرض متكرر.
"قبل فترة قصيرة تسممت أنا وأطفالي وزوجي من مياه الشرب التي نحصل عليها من عربات المياه التي تجوب الشوارع، ولم ندرك ذلك إلا بعدما أصبنا جميعًا".
تقول آلاء لـ"نوى": "قبل فترة قصيرة تسممت أنا وأطفالي وزوجي من مياه الشرب التي نحصل عليها من عربات المياه التي تجوب الشوارع، ولم ندرك ذلك إلا بعدما أصبنا جميعًا بالأعراض نفسها".
ارتفعت حرارة طفلها آدم، البالغ من العمر أربعة أعوام، بصورة مفاجئة، وأصبح يتقيأ كل ما يأكله، إلى جانب إعياء شديد وآلام مستمرة، فيما أصيب أفراد العائلة بالأعراض نفسها.
وتقول آلاء إن ما حدث لم يكن جديدًا، مضيفة: "كل شهر أصاب بالأعراض والمضاعفات نفسها، وأكثر من يتضرر طفلاي، آدم ذو الأربعة أعوام وزين البالغ سبعة أعوام".

وبعد تكرار الإصابة، بدأت آلاء تتذوق المياه قبل استخدامها، محاولة التحقق من صلاحيتها. وحين تشك في أنها ملوثة، تخبرنا: "أقوم باستعمالها في أشياء أخرى كالجلي والغسيل والاستحمام أيضًا"، مشيرة إلى أنها تضطر أحيانًا إلى تسخينها لأطفالها قبل استخدامها للشرب.
لكن حتى العثور على مصدر بديل للمياه ليس أمرًا سهلًا. تضيف: "يمشي ابني مسافات بعيدة كي يعبئ جالون مياه من محطة التحلية، وأحيانًا تكون مغلقة، فأضطر لشرائها من السوبر ماركت".
ومنذ بدء الإبادة، يعتمد سكان القطاع بدرجة كبيرة على صهاريج المياه التي تتوزع على المناطق المختلفة، تحت إشراف مؤسسات وجهات خيرية، في ظل تضرر شبكات ومرافق المياه.
ووفق آلاء "في كل مرة تختلف شاحنات المياه التي تأتي إلى منطقتنا في حي الشيخ رضوان عن الأخرى، ناهيك عن أن الجهات التي تشرف عليها أيضًا تكون غير معروفة لدينا".
"بعض صهاريج المياه التي تجوب الشوارع لا تبدو ملائمة لنقل مياه الشرب. خزاناتها تكون مكشوفة أحيانًا، فيما تلامس الخراطيم الأرض وتختلط بالرمال والأوساخ".
ولم تكن عائلة آلاء الوحيدة التي واجهت أعراضًا يشتبه في ارتباطها بمياه الشرب؛ إذ أفاد سكان في حي الشيخ رضوان بأن "أكثر من 50 عائلة تعرضت لمشكلات صحية مشابهة، من بينها عائلة محمد داوود".
يقول لـ"نوى": "نعاني جميعًا من مياه الشرب التي تكون معظمها غير صالحة للاستخدام، وهذه المشكلة سببت لنا أزمة كبيرة في البحث عن مياه صحية ونظيفة".
ويشير إلى أن بعض صهاريج المياه التي تجوب الشوارع لا تبدو ملائمة لنقل مياه الشرب، موضحًا أن خزاناتها تكون مكشوفة أحيانًا، فيما تلامس الخراطيم الأرض وتختلط بالرمال والأوساخ.
ولم يدرك داوود في البداية أن المياه التي يشربها أفراد أسرته قد تكون مرتبطة بالمرض الذي أصابهم، ويقول: "أصيب أبنائي بنزلة معوية، وأعراضها قيء وارتفاع شديد في حرارة أجسادهم. كنت أسقيهم المياه حتى تخفف من وجعهم، ولم أعلم أنها سبب مرضهم أصلًا".
وكان الأطفال الأكثر تأثرًا داخل الأسرة، بحسب داود، مضيفًا: "أنا وزوجتي تحملنا الأعراض وتلقينا العلاج اللازم، لكن طفليّ الصغيرين بقيا فترة طويلة على سرير المرض حتى تماثلا للشفاء".

يؤكد نائب مدير مصلحة مياه بلديات الساحل، عمر شتات، لـ"نوى"، أن "إسرائيل" دمرت أكثر من 80% من مرافق المياه في قطاع غزة، كليًا أو جزئيًا.
ويقول: "أصبح الاعتماد في وضعنا الراهن على نقل المياه بالصهاريج من خلال سلسلة إمدادات تنتهي بتعبئة المواطنين بجالوناتهم"، موضحًا أن هذا الوضع يزيد احتمالات تعرض المياه للتلوث.
ويشير شتات إلى أن منع إدخال المعدات اللازمة لتعقيم المياه وأجهزة المراقبة والفحص المتطورة ساهم في تفاقم صعوبة مراقبة جودة المياه.
وبحسب شتات، تعتمد مصادر المياه المتاحة حاليًا في القطاع على مياه "ميكروت" التي تصل من الجانب الإسرائيلي عبر ثلاثة خطوط رئيسية تخدم مدينة غزة والمنطقة الوسطى والجنوبية.
"هناك صعوبة هائلة في مراقبة وفحص نوعية المياه نتيجة تدمير المختبر المركزي الذي كانت المصلحة تمتلكه".
ويقول إن "الخطوط الثلاثة تمثل حوالي 60% من المياه الصالحة للشرب"، إلى جانب محطات التحلية المقامة على آبار المياه المالحة في مناطق مختلفة من القطاع.
لكن القدرة على التحقق من سلامة هذه المياه تراجعت مع تضرر البنية المختصة بالفحص، إذ يوضح شتات أن هناك صعوبة هائلة في مراقبة وفحص نوعية المياه نتيجة تدمير المختبر المركزي الذي كانت المصلحة تمتلكه.
ويطالب بتوفير المعدات اللازمة لمراقبة المياه وفحصها وتعقيمها، بما يضمن الحد من مخاطر التلوث ويحسن القدرة على التحقق من سلامتها قبل وصولها إلى المواطنين.
























