شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 01 سبتمبر 2026م12:26 بتوقيت القدس

من متنفّسٍ مجاني إلى رحلةٍ محسوبة..

بحر غزّة يبدّل حكاياته!

01 سبتمبر 2026 - 10:56

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن الغزيون يحتاجون إلى كثيرٍ كي يصنعوا على شاطئ البحر يومًا جميلًا. بعض الطعام، وفنجان قهوة، وألعاب للصغار، وطريقٌ ينتهي إلى الموج.

أما اليوم، فقد صار الوصول إلى البحر نفسه يحتاج إلى حسابات كثيرة: أجرة المواصلات، وأسعار الطعام، وكلفة استئجار مكانٍ للجلوس، وحتى ألعاب الأطفال، كلها صارت أثقل من أن تحملها ميزانية عائلة أنهكتها الحرب، فيما تغيّر الشاطئ الذي كان يعرف ضحكاتهم، ليصبح في أجزاء واسعة منه مساحةً للخيام والنازحين والركام.

في شمال غزة، كانت أريج صيام تعرف البحر كصديقٍ قديم. تقول: "كنا نخرج من الصباح الباكر، نعد المأكولات والمشويات، ونأخذ الفواكه والألعاب. كانت لنا رحلة مخططة ومنتظرة كل أسبوع، نقضي يومنا على الكورنيش، نستمتع بهدوء البحر دون أن نشعر بالوقت، ونتأخر حتى ساعات الليل في الصيف".

تتوقف عند تلك التفاصيل كأنها تستعيد حياةً لم تعد موجودة: "كل هذه التفاصيل تحولت اليوم إلى ذكريات، وحُرمنا من تكرارها بسبب الغلاء، وصعوبة الأوضاع المعيشية، وتغيّر الأولويات، علاوةً على الخوف الذي لا يفارقنا".

حتى شارع الرشيد، الذي كان جزءًا من متعة الرحلة، لم يعد هو نفسه. تقول صيام: "كان مجرد السير فيه علاجًا نفسيًا، لكنني اليوم أسير في الشارع نفسه بمشاعر مختلفة".

كان ضجيج السيارات والأضواء ليلاً شيئاً مألوفاً، أما اليوم فحلّ الظلام مكانها، والاستراحات والفنادق التي كانت على جانبيه تحولت إلى أكوام من الرمل والركام والخيام.

مشوار البحر لم يعد مجرد قرارٍ عفوي لدى العائلات في قطاع غزة، بل رحلة تحتاج إلى ميزانية وخطة. تقول نداء دويمة، وهي أم لثلاثة أطفال: "كان الذهاب إلى البحر روتيناً أسبوعياً، نقصده نهاية كل يوم جمعة دون كثير من التحضير، لكن اليوم أصبح الأمر يحتاج إلى تخطيط وحساب لكل التفاصيل والتكاليف. مع ارتفاع الأسعار، وشح المواصلات، وغلاء أسعار المأكولات، أصبح كل ذلك يضيف علينا عبئاً ثقيلاً".

قبل الحرب، كانت خمسون شيكلاً تكفيها تقريباً للمواصلات، واستئجار طاولة في استراحة، وشراء بعض المأكولات والألعاب. أما اليوم، فتقول "إن التكلفة تجاوزت الضعف، فيما لا تتناسب مداخيل الأسر لمجاراة هذا الارتفاع".

ولا تتوقف المشكلة عند المال. فدويمة، التي تسكن في حي الزيتون شرقي المدينة، لا تجد مواصلات سهلة إلى البحر، ومع صغر سن أطفالها لا تستطيع قطع المسافات الطويلة سيراً.

وفي آخر محاولة لها بعد الهدنة، اضطرت إلى المشي بهم مسافة طويلة قبل أن تجد وسيلة نقل، لتصبح الرحلة شاقة قبل أن تبدأ النزهة أصلاً.

حتى ألعاب الرمل، التي كانت تمنح أطفالها جزءاً من فرحة اليوم، صارت من الكماليات التي لا تحتملها ميزانيتها.

ومن الجهة الأخرى، يلمس أصحاب الاستراحات والمقاهي هذا التحول يومياً. يقول أحمد علي، صاحب مقهى صغير في  شارع الرشيد: "إن الاستراحات التي كانت تستقبل مئات الزوار يومياً، خصوصاً في الصيف، أصبحت حركتها محدودة"، مضيفً: "كثير من العائلات تفضّل الجلوس على الرمل لتجنب كلفة استئجار الطاولات وشراء الوجبات والمشروبات، التي ارتفعت أسعارها أيضاً مع غلاء المواد الأساسية، ومنها الغاز والأكواب".

لكن ثمة من وصل إلى البحر ولم يجد فيه البحر الذي يعرفه، ففي مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تعيش علا طه بالقرب من الشاطئ، لكنها تقول إن قربها منه لم يعد يعني قدرتها على الاستمتاع به.

كانت تحمل فنجان قهوتها صباحاً، تجلس أمام الموج وتستمد من هدوئه طاقة يومها. اليوم، لم تعد تجد ذلك الهدوء. "في أيام النزوح، لم يعد البحر مكاناً للاستجمام، بل أصبح مكاناً للإيواء والغسيل والاستحمام في مياهه المالحة الملوثة بمياه الصرف الخارجة من حمامات الخيام" تخبرنا، مردفةً: "هذا الأمر حوّل حبي للبحر إلى كره، وجعل منه ذكرى مؤلمة بدلاً من أن يكون متنفساً".

ولا يقف التغيّر عند حدود المشهد، فبحسب المهندس محمود أبو جياب، رئيس قسم الواجهة البحرية في بلدية غزة، تصل في بعض المناطق تصريفات مياه الصرف الصحي إلى البحر، نتيجة تضرر شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة وتعطلها، إلى جانب نقص الوقود والطاقة والدمار الذي أصاب البنية التحتية.

ويقول: "إن البلدية تتابع مصادر التلوث ومصبات الصرف الصحي، وتعمل على تنظيف الشاطئ ورفع المخلفات، ومتابعة إعادة تشغيل مرافق الصرف الصحي وفق الإمكانات المتاحة، مع تكثيف الرقابة والتوعية في المناطق التي تشكل خطراً صحياً أو بيئيًا".

ويدعو أبو جياب المواطنين إلى الالتزام بتعليمات فرق الإنقاذ، وتجنب المناطق المحذر منها، والابتعاد عن مصبات الصرف الصحي، وعدم السباحة عند رفع الرايات التحذيرية أو منع السباحة بسبب حالة البحر.

هكذا، لم تغيّر الحرب وجه غزة وحده، بل غيّرت علاقتها ببحرها أيضاً. البحر الذي كان موعداً أسبوعياً للفرح، صار طريقه مكلفاً، وشاطئه مزدحماً بالخيام، ومياهه مهددة بالتلوث، وذكرياته أثقل من أن تُستعاد بسهولة، ولعل أكثر ما يؤلم في الحكاية أن البحر ما زال هناك، في مكانه، لكن الذين اعتادوا الذهاب إليه لم يعودوا قادرين على الوصول إليه كما من قبل.

كاريكاتـــــير