شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026م09:54 بتوقيت القدس

ثلاث سنوات ولم تُعرف هويتها بعد..

"ملاك".. طفلةٌ صنَعت لها الحرب اسمًا و"أمًا"!

22 سبتمبر 2026 - 07:36

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمةٍ داخل أحد مخيمات النازحين بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تجلس ملاك وسط ألعابها. ترفع رأسها فجأة وتنادي: "ماما.. بدي أشرب".

تقترب منها أمل أبو ختلة، تقدم لها الماء، ثم تتركها فتغرق في اللعب من جديد.

مشهدٌ يبدو عاديًا، إلا أنه يخفي وراءه حكاية كبُرت مع طفلةٍ صار عمرها ثلاثًا، دون أن تعرف عن عائلتها أي شيء.. طفلةٌ لا تملكُ سوى حياةٍ عاشتها كلها تحت القصف، واسمٍ اختير لها، وامرأةً.. صارت تناديها "ماما".

في نوفمبر/تشرين الثاني 2023م، عثرت طواقم الإنقاذ على "ملاك" -وكانت رضيعة- فوق شجرة، بعد مجزرة ارتكبها الاحتلال في حي الصبرة بمدينة غزة، وبقايا الحليب ما تزال في فمها.

نُقلت لاحقًا إلى مستشفى الهلال الأحمر الإماراتي في رفح، ضمن مجموعة من الأطفال الذين أُجلوا من مستشفى الشفاء.

كانت أمل، البالغة من العمر (35 عامًا)، تعمل ممرضةً في المستشفى، وتولت رعايتها منذ وصولها. ومع تدهور الأوضاع في رفح، حصلت في 24 يناير/كانون الثاني 2024م على إذنٍ بكفالتها ورعايتها في منزلها.

منذ ذلك اليوم، بدأت حكاية أخرى.. حكاية امرأة تحاول أن تمنح طفلة لا تعرف أهلها ما تستطيع من أمان، فيما تظل هوية عائلتها الحقيقية سؤالًا مفتوحًا.

لم تكن رعاية ملاك سهلة -تقول أمل- ففي إحدى المرات، شعرت الطفلة بالإعياء، فنقلتها إلى مركز طبي قريب، لكن العاملين فيه رفضوا التعامل معها لعدم امتلاكها أوراقًا رسمية تثبت هويتها.

لم تجد أمل أمامها سوى المحكمة الشرعية، وهناك تمكنت لاحقًا من إصدار شهادة ميلاد باسم "ملاك محمد أحمد الصبرة". اختير "محمد أحمد" بصورة افتراضية لعدم معرفة اسم والديها، بينما نُسبت "الصبرة" إلى المكان الذي عُثر عليها فيه.

حتى احتياجاتها اليومية كانت معركةً أخرى. في بداية رعايتها، احتاجت ملاك باستمرار إلى الحليب والحفاضات، في وقت ارتفعت فيه أسعارهما وصَعُب توفيرهما.

تخبرنا أمل: "أحاول توفير كل احتياجاتها، ولا أنقص عليها شيء". كبُرت الطفلة أمام عيني أمل، من رضيعة لا تملك سوى البكاء إلى طفلة تعرف ما تريد، وتطلبه، وتغضب حين لا تحصل عليه.

كبُرت وهي بين يدي المرأة التي حملتها وأطعمتها ورافقتها في خطواتها الأولى، حتى صارت تناديها "ماما".

وحين تشعر أمل بالحزن أو الضيق، تترك ملاك ألعابها، وتقترب منها.. تحتضنها وتقبّلها، ثم تقول لها: "خلص يا ماما، تزعليش".

هذا الحب لم يطفئ السؤال القديم، فمنذ أن تولت رعايتها، نشرت أمل قصة ملاك مراتٍ كثيرة، وحاولت الوصول إلى أي عائلة من حي الصبرة فقدت طفلة خلال المجزرة، أملًا في العثور على خيطٍ يقود إلى أقاربها، لكن كل المحاولات عادت خالية من الإجابة.

وقبل نحو شهر ونصف، عادت طواقم الإنقاذ إلى موقع مجزرة الصبرة لانتشال جثامين الشهداء، وتمكنت من انتشال أكثر من 100 جثمان.

تواصلت أمل مع بعض الجهات، على أمل أن تقود عملية الانتشال إلى أي دليل يساعد في التعرف إلى ملاك أو الوصول إلى عائلتها، لكن دون جدوى.

ومع غياب العائلة، بقيت أمل تحاول أن تمنحها شيئًا من طفولة حُرمت منها. حاولت تسجيلها في روضة للأطفال، لكنها لم تستمر طويلًا بعدما وجدت أن المكان لا يتجاوز خيمة وشوادر تحيط بها، ولا يوفر المساحة أو الألعاب والأنشطة المناسبة لعمرها.

لذلك عادت ملاك إلى محيط الأسرة، تلعب مع أبناء خالتها، وتقضي وقتها بينهم، فيما تحاول أمل قدر الإمكان أن تصنع لها حياة تشبه حياة الأطفال التي أخذتها منها الحرب والنزوح.

وتجد أمل في عائلتها سندًا آخر. تقول: "وجدت حب أهلي لي في معاملتهم لملاك، فهم يحبونها، ويحترمونها، ويتعاملون معها بحنان، ويهتمون بها ربما أكثر من أبنائهم".

لم تمنح الحرب أمل فرصة للنجاة من الفقد، لكنها، كما تعبّر، لم تأخذ منها القدرة على الحب، "على قد ما أوجعتنا الحرب، وفقدنا فيها ناس عزيزين علينا، إحنا قادرين نعطي الحب والحنان لغيرنا، ونكون سند لبعضنا".

إلى والديها، إن كانا ما يزالان يبحثان عنها، توجه أمل رسالتها: "ملاك أحلى هدية، وأنا كنت محتاجتها، أحاول أن أكون قد المسؤولية وأعوضها عن كل شيء، وأكون لها الأب والأم والأخ والصديق. رح أعتني فيها لحد ما تكبر، وإن شاء الله تكون إنسانة ناجحة ومحل فخر".

لكن المستقبل يظل أكثر ما يقلق أمل، إذ تخشى أن تكبر ملاك وهي تحمل ثقل عدم معرفتها أهلها، أو أن تواجه نظرة مختلفة من المجتمع بسبب قصتها؛ لذلك تحاول منذ الآن أن تبني في داخلها شخصية قوية، قادرة على مواجهة ما قد يأتي.

أما ملاك، فلا تعرف شيئًا عن كل ذلك. تواصل لعبها في الخيمة، تضحك، وتطلب الماء حين تعطش، وتنادي المرأة التي تعرفها باسمٍ واحد: "ماما".

تنظر أمل إليها وتتخيل لها حياة أخرى.. أن تخرج يومًا من غزة، وأن تعيش طفولة آمنة، وأن تذهب إلى مدرسة حقيقية، وتحصل على تعليم منتظم، وتكبر بعيدًا عن الخيام والخوف والأسئلة التي لم تجد لها إجابة.

وإلى أن يأتي ذلك اليوم، لا تملك أمل سوى أن تبقى إلى جوارها.. تلمع عيونها تحت الشمس وهي تبتسم وتقول: "كل حياتي لملاك".

كاريكاتـــــير