شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 30 اعسطس 2026م17:37 بتوقيت القدس

مُحرر عاد ليجد أطفاله الستة شهداء..

ثلاثة أعوامٍ في العتمة ثم نورٌ قتل فرحته "صاروخ"!

30 اعسطس 2026 - 16:35

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن أحمد السيقلي يعرف أن الطريق إلى الحرية سيقوده إلى واحدة من أكثر لحظات عمره قسوة. لقد أمضى ثلاثة أعوام خلف القضبان وهو يعدّ الأيام التي تفصله عن بيته، ويتخيل اللحظة التي ستفتح فيها الأبواب ليعود إلى زوجته وأطفاله الستة، يضمهم واحدًا واحدًا، ويستعيد معهم ما سرقته سنوات الغياب.

لكنه حين خرج، لم يجد العائلة التي ظل يحمل صورتها في ذاكرته، كانت زوجته وابنته فقط في انتظاره، أما أطفاله الستة، فقد سبقوه إلى السماء في غارةٍ لم تترك له حتى فرصة الوداع.

ثلاثة أعوام كانت كافية لأن تتغير تفاصيل عائلة كاملة: الأب في السجن، والأم والابنة وحدهما تنجوان من تحت الأنقاض، وستة أطفال يرحلون دفعة واحدة، وبين لحظة اعتقاله ولحظة عودته، لم يبقَ للسيقلي من أطفاله سوى أسماءهم، وصورهم، وشهادات وفاتهم.

كان يتخيل، طوال سنوات الغياب، عائلة من ثمانية أفراد تستقبله عند العودة، لكنه عاد ليجد أن الثمانية صاروا اثنين فقط.

منذ أن أخبره السجان بأنه على موعد مع الحرية، لم يفكر السيقلي إلا في عائلته. يقول لـ"نوى": "كان كل تفكيري طوال الوقت كيف سأراهم؟ كيف سيستقبلونني؟ كيف ستكون لحظات العناق الأولى؟".

كان يتخيل، طوال سنوات الغياب، عائلة من ثمانية أفراد تستقبله عند العودة، لكنه عاد ليجد أن الثمانية صاروا اثنين فقط.

يقول والدموع تنهمر على وجنتيه: "لم يكن في حسباني يومًا أن أقابل زوجتي وابنتي لوحدهما. حتى اللحظة أشعر وكأنني في حلم لم أفق منه بعد".

كان السيقلي واحدًا من عمال قطاع غزة الموجودين في الداخل المحتل قبل بدء الحرب، ثم احتُجز في الضفة الغربية، وانتهى به الأمر أسيرًا في سجون الاحتلال.

اقتحمت قوات الاحتلال البيت الذي استأجره في مدينة قلقيلية بالضفة الغربية، حيث كان يقيم برفقة عمال آخرين، "كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما اقتحم عشرات الجنود البيت، واعتدوا علينا بالضرب المبرح، وكبلوا أيدينا وأقدامنا واعتقلونا" يقول.

عن تلك الأيام يتابع: "جحيم، وأصعب مما يتخيله عقل وبشر. إهانات وضرب مبرح، واليدان والقدمان مربوطتان، ناهيك عن تعصيب العينين"، مشيرًا إلى أن الجنود أطلقوا عليهم الكلاب البوليسية، وعذبوهم بالصعقات الكهربائية مرارًا.

أما عائلته، فكانت تكابد مرارة الحرب والنزوح. في الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023م، كانت قد نزحت إلى عمارة سكنية في منطقة الصحابة وسط مدينة غزة، بعدما اشتدت وطأة الحرب.

وفي ذلك اليوم قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي العمارة التي كان يقيم فيها نحو 120 نازحًا، لم ينجُ منهم سوى خمسة أشخاص.

من بين الناجين زوجة السيقلي وابنته، أما أطفاله الستة فاستشهدوا جميعًا، أكبرهم محمد، وكان يبلغ من العمر 16 عامًا، وأصغرهم طفلة لم يمضِ على ولادتها سوى شهرين.

كان من بين الناجين زوجة السيقلي وابنته، أما أطفاله الستة فاستشهدوا جميعًا، أكبرهم محمد، وكان يبلغ من العمر 16 عامًا، وأصغرهم طفلة لم يمضِ على ولادتها سوى شهرين.

قبل القصف بربع ساعة، كان أحمد يتحدث مع أطفاله عبر الهاتف، ولم يكن يعرف أن تلك المكالمة ستكون الأخيرة. يقول: "كان الوضع خطيرًا جدًا، وأخبروني أنهم خائفون وطلبوا مني العودة إلى غزة، فطمأنتهم أن لنا لقاء، وسأحتضنهم وأعود لهم قريبًا". لكن اللقاء الذي حلم به الأب كان قد كُتب له أن يأتي منقوصًا إلى الأبد.

انقطعت الاتصالات مع غزة، ولم يعرف السيقلي ما جرى إلا حين اتصل به عديله من الأردن وأخبره بقصف العمارة واستشهاد من فيها.. كل هذا قبل أن يُعتقل فجأة.

لم يحتمل جسده الخبر، انهار وغاب عن الوعي لساعتين، ونُقل إلى المستشفى، وحين أفاق، أخبروه أن زوجته وابنته خرجتا من تحت الأنقاض بإصابات طفيفة. يقول: "وكأن روحي عادت لي".

عاد أحمد إلى غزة، لكنه لم يعد إلى العائلة التي تركها قبل أعوام.. عاد إلى زوجة وابنة، وإلى ستة قبور تحمل أسماء أطفاله.

وفي صباح الخامس من أغسطس/آب 2026م، خرج أحمد برفقة عمال آخرين عبر معبر كرم أبو سالم يطوي طريقة إلى الحربة، لكن حتى تلك الطريق لم يقطعها بسهولة. بقي ثلاث ساعات معصوب العينين، مقيد اليدين والقدمين داخل الحافلة، وممنوعًا من رفع رأسه، فيما كان الجنود يوجهون إليه وإلى العمال برفقته ألفاظًا نابية.

بعد ثلاثة أعوام من الغياب، وصل أخيرًا إلى مستشفى ناصر في خانيونس جنوبي القطاع، حيث كانت زوجته وابنته في انتظاره. احتضنتهما دموعه قبل أن تحتضنهما يداه، وكانت فرحة العودة ممزوجة بحزن لا يمكن أن يكتمل معه فرح.

عاد أحمد إلى غزة، لكنه لم يعد إلى العائلة التي تركها قبل أعوام.. عاد إلى زوجة وابنة، وإلى ستة قبور تحمل أسماء أطفاله الذين ظل يحلم طوال سنوات سجنه بأن يضمهم إلى صدره.

يقول: "الحمد لله أن منَّ عليَّ بالخروج من السجن ورؤية أحبتي. رحم الله شهداء قلبي، وألهمني الصبر والقوة لأكمل الطريق بعدهم".

كاريكاتـــــير