شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 30 اعسطس 2026م10:27 بتوقيت القدس

أطفال يبكون فرحة الصيف وروحه..

طائرات ورقية.. سقفٌ مفتوحٌ على "الموت" بغزة!

27 اعسطس 2026 - 15:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن راكان خضر يعرف أن لعبةً صغيرةً صنعها من بعض الأوراق والخيوط يمكن أن تتحول إلى "بعبعٍ" يخيفه إلى هذا الحد.

كان يجلس قرب منزل أسرته المدمر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يطوي الورق بيديه الصغيرتين، لا يفكّر إلا في أنه سيحظى بلحظاتٍ من الفرح بعد دقائق قليلة، حين باغتته أمه مروة بصراخها: "راكان، ممنوع.. الاحتلال قال إنه سيستهدف الأطفال الذين يلعبون بالطائرة الورقية".

نظر إليها الطفل ابن التاسعة مستنكرًا، ولم يصدقها في البداية. قال لها: "يكفي مزاحًا، أنت تعرفين أنها لعبتي المفضلة، فلا تستفزيني بها"، لكن الأم لم تكن تمزح. طلبت منه أن يقرأ الخبر بنفسه، لعل الكلمات المطبوعة على الشاشة تقنعه بما عجزت هي نفسها عن تصديقه.

ما أن انتهى راكان من القراءة حتى انفجر بالبكاء. لم يفهم كيف يمكن لورقةٍ وخيط أن يتحولا فجأة إلى شيء يستحق الخوف، ولم يستوعب كيف يمكن للعبة صنعها بيديه أن تضعه في مرمى الموت بهذا الشكل.

تقول أمه: "الطائرة الورقية كانت أكثر ما يهوّن عليه حصار غزة، وانعدام أماكن الترفيه، ومنع دخول الألعاب. كانت تمنحه مساحة صغيرة ينسى فيها قليلًا ما حوله، أما الآن، فقد صار يخشى أن يفقد حتى تلك المساحة".

يتساءل راكان: "كيف يمكن لطائرة ورقية مصنوعة بطريقة بدائية أن تشكل خطرًا إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن التضييق على الأطفال بهذه الصورة؟".

بالنسبة إليه، "الطبق"، كما تُسمى الطائرة الورقية في اللهجة العامية بقطاع غزة، ليس أكثر من لعبة صغيرة تحلق بعيدًا عن واقع حرب الإبادة، لكن الخوف الذي دخل قلب الطفل لم يكن عابرًا بالنسبة إلى أمه.

تخبرنا: "سأجبره على التوقف عن اللعب بها، فهو يخاف القصف أصلًا، وأخشى أن تتحول الطائرة الورقية في مخيلته، من لعبةٍ يحبها إلى علامة لاقتراب الموت".

وتضيف: "هكذا يفعل الاحتلال بأطفالنا، لا يكتفي بقتلهم، بل يقتل محاولات العيش والترفيه عن النفس تحت الإبادة".

"هكذا يفعل الاحتلال بأطفالنا، لا يكتفي بقتلهم، بل يقتل محاولات العيش والترفيه عن النفس تحت الإبادة".

وكان وزير جيش الاحتلال هدّدَ بالرد بالقوة إذا أعادت "حركة حماس" -بحسب وصفه- استخدام تكتيك إطلاق الطائرات الورقية الحارقة فوق مستوطنات غلاف غزة.

وبينما تنظر "إسرائيل" إلى الطائرة الورقية باعتبارها جزءًا من تهديد أمني، يسمع أطفال غزة التهديد بطريقةٍ أخرى.. لعبةٌ اعتادوا صناعتها بأيديهم قد تجعلهم أهدافًا بهذه البساطة.

وليست الطائرة الورقية أول لعبة تدخل دائرة القيود على غزة، ففي سنوات الحصار الأولى، وخصوصًا بين عامي 2007م و2010م، كانت الألعاب من بين السلع التي مُنع إدخالها إلى القطاع، ووثقت تقارير أممية شحنات مساعدات عالقة خارج غزة، تضم ألعاب أطفال ومستلزمات ترفيهية لم يُسمح بإدخالها.

وفي عام 2010م، أدرجت تقارير صحفية الألعاب البلاستيكية ضمن السلع التي كانت "إسرائيل" تمنع أو تقيد دخولها إلى غزة، واضطر تجار الألعاب آنذاك إلى الاعتماد على الأنفاق لتهريب البضائع، وهو ما رفع تكاليفها، قبل أن تعلن دولة الاحتلال في يونيو/حزيران 2010م تخفيف القيود والسماح بإدخال الألعاب وغيرها من السلع المدنية.

لم تكن الألعاب، إذن، سلعة ترفيهية هامشية في زمن الحصار، بل كانت واحدة من الأشياء التي خضعت للمنع أو التقييد، وبعد سياسة عام 2010م، انتقلت "إسرائيل" من نظام يحدد السلع المسموح بدخولها إلى السماح عمومًا بالسلع المدنية، مع استثناء السلع المصنفة "ثنائية الاستخدام"، وفق وثائق الاحتلال الرسمية.

أما في أغسطس/آب 2026م، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. القوائم الإسرائيلية الحالية تتضمن بندًا واسعًا للألعاب، لكن بعض أنواعها تخضع لموافقات وقيود، وتظهر قاعدة بيانات الجمارك الإسرائيلية أن الطائرات الورقية والبالونات مرتبطة بإجراءات موافقة تخص غزة، فيما تخضع بعض الألعاب التي تطلق سهامًا لإجراءات ترخيص.

وربما لهذا عادت الطائرة الورقية، هذه اللعبة البسيطة التي لا تحتاج أكثر من ورق وخيط، إلى دائرة الخوف هذا الأسبوع، فقد حذرت لجان شعبية في غزة الأهالي من السماح لأطفالهم بإطلاقها خشية تعرضهم للأذى، رغم أن الطائرات الورقية التي شوهدت وهي تنجرف من غزة إلى الحدود لم يُبلغ عن حملها مواد حارقة.

بالنسبة إلى الأطفال، لا يتعاملون مع الطائرة الورقية كامتداد لتاريخٍ عسكري أو وسيلة صراع. إنها ورقة وخيط، ووعْد صغير بصيف مختلف. لكنها، في غزة، صارت تحمل فوقها كل ما يثقل السماء: حربًا، وخوفًا، وذاكرة أطفال لم يعد اللعب فيها فعلًا بريئًا كما كان.

بدموع تحرق القلب، وقلبٍ مثقل بهموم الخيمة والنزوح، مزق الطفل محمد المفتي طائرته الورقية بيديه بعد تهديدات الاحتلال، وهو يقول: "عشان نتنياهو يرضى.. عشان كاتس يرضى.. عشان ترامب يرضى.. بدهم يحرمونا من الشغلة اللي بنحبها".

طفلٌ يمزق طائرته ويبكي: "عشان نتنياهو يرضى.. عشان كاتس يرضى.. عشان ترامب يرضى.. بدهم يحرمونا من الشغلة اللي بنحبها".

محمد، ابن شهيد قتله قصفٌ إسرائيلي خلال الحرب، تعرف أمه أكثر من غيرها معنى أن يتحول الخوف إلى حقيقة. تخشى عليه من السماء، ومن الطائرات، ومن اللحظة التي قد تنقلب فيها لعبته المفضلة إلى سبب لاستهدافه.

ويقول محمد شحادة، بدوره، إن الصيف بالنسبة إلى أطفال غزة كان يعني البحر والطائرة الورقية، لكنهم يصنعونها اليوم بإمكانات شحيحة، في وقت أصبحت فيه أبسط المواد عبئًا عليهم. "حتى الورق والأعواد التي تحتاجها صناعة الطائرة باتوا يتنازلون عنها، رغم حاجتهم إليها؛ لإشعال الحطب وطهي الطعام في ظل انقطاع الغاز ومنع دخوله" يضيف.

ويتابع: "أنا واحد من الناس لن أسمح لأطفالي بصنعها أو إطلاقها مجددًا، لقطع هذه الحجة عن الاحتلال الذي يرغب باستهدافهم وقتلهم".

ولا يرى شحادة في الأمر مجرد منع لعبة، بل طريقًا آخر لإغلاق المساحات الصغيرة التي بقيت للأطفال وسط الحرب. يزيد: "لاحتلال لم يكتف بمنع دخول الألعاب، بل يقطع الطريق أيضًا أمام أي لعبة يمكن أن تنسي أطفال القطاع قليلًا هموم الحرب، كالطائرات الورقية".

وبينما تتقلص مساحات اللعب، تتسع مساحة الخوف، حتى يصبح الطفل مراقبًا للسماء بدل أن يركض تحتها.

وتأتي هذه المخاوف في قطاع أنهكه الموت والتدمير والاستهداف المتواصل، فوفقًا لمسؤولي الصحة في غزة، قُتل أكثر من 1280 فلسطينيًا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

في مكانٍ كهذا، لا تبدو الطائرة الورقية لعبة رفاهية. ربما هي آخر ما تبقى من طفولةٍ تحاول أن ترفع رأسها إلى السماء، قبل أن تتعلم أن تخاف منها.

كاريكاتـــــير