شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 26 اعسطس 2026م18:25 بتوقيت القدس

مزارعو غزة.. وأشتالٌ يحرسها "الخوف" في زمن القوارض!

26 اعسطس 2026 - 16:24

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد المزارع علي الأسطل (32 عامًا) من منطقة المواصي، غربي مدينة خان يونس، ينتظر اكتمال نضج محصوله، ولا بلوغ الثمار لونها وحجمها الطبيعيين ليحدد موعد قطافها.

ففي مواسم زراعية مثقلة بالحرب والخسائر وشح الإمكانات، دخل عامل جديد أعاد ترتيب حسابات المزارعين: القوارض التي تنتشر بين أكوام النفايات والركام ومواقع النزوح، وتجد في الحقول مصدرًا آخر للغذاء والمأوى.

ومع اتساع أزمة النفايات، وتدهور شبكات الصرف الصحي، وتراكم الركام، أصبحت الفئران وغيرها من القوارض جزءًا من المشهد اليومي في القطاع، تتنقل بين المناطق المدمرة ومواقع النفايات، وصولًا إلى الحقول الزراعية.

داخل حقله البسيط، يزرع الأسطل الباذنجان والفلفل والطماطم، ويراقب ثمارها يوميًا، خشية إصابتها بالأمراض أو اقتراب القوارض منها.

هذا التخوف يجبر الأسطل على اتخاذ قرار بالحصاد المبكر، حتى لو كان ذلك يعني إنتاجًا أقل جودة، وخسارة جزء من المحصول قبل اكتمال نضجه.

يقول الأسطل لـ"نوى" بحسرة: "كنا في السابق نهتم برش المزروعات بالمبيدات الزراعية لحماية الثمار والإنتاج، أما الآن فالفئران والقوارض أصبحت مشكلة أخرى يصعب السيطرة عليها من قبل المزارع وحده".

ويضيف: "المحصول الذي يُقطف قبل أوانه يكون أقل وزنًا وجودة، ونضطر لذلك لأن القوارض والحشرات تهدد بضياع الموسم أمام أعيننا"، متابعًا: "يجب التخلص من أكوام القمامة لأنها تسبب زيادة أعداد القوارض، وكذلك الركام الذي تختبئ تحته. ما ذنبنا أن نتعب في زراعة أراضينا، ونوفر ألواح طاقة بصعوبة لتشغيل مولدات المياه، ونخسر على البذور وغيرها، ثم نخسر هذا كله بسبب القوارض".

ولا يبدو أن انتشار القوارض في حقول المزارعين مرتبط بموسم زراعي بعينه، أو يمكن احتواؤه بجهود فردية، كونه يرتبط أساسًا بحجم التدهور البيئي الذي شهده القطاع بسبب حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023م، وآثارها المتلاحقة، لا سيما تراكم النفايات والركام وتضرر شبكات الصرف الصحي.

يقول المهندس الزراعي نزار الوحيدي: "زيادة انتشار القوارض جعلتها قادرة على الانتقال بسهولة بين المناطق السكنية المدمرة ومواقع النفايات، ثم إلى الحقول الزراعية، وبالتالي الوصول إلى المحاصيل التي تمثل مصدرًا إضافيًا للغذاء".

وأضاف الوحيدي في حديثه لـ"نوى": "القوارض تستطيع قضم الثمار والسيقان والجذور والبذور، وقد تتسبب في سقوط الثمار أو تلفها، كما يمكن أن تلوث المنتجات الزراعية بمخلفاتها".

ظروف الحرب شكلت ملاذًا للقوارض، مع توفر الغذاء والمأوى وانعدام العدو الطبيعي، ما جعلها تشكل تهديدًا حقيقيًا لما تبقى من القطاع الزراعي.

وأشار إلى أن القوارض تختلف في نمطها الغذائي، إذ يتغذى بعضها على النباتات، مثل الفأر البيتي وفأر المزرعة واليربوع، وتتغذى على بذور ومحاصيل نباتية مختلفة، من بينها الباذنجانيات والقرعيات، كالبطيخ والقرع والشمام، إضافة إلى الطماطم والخيار، ملفتًا إلى أن ظروف الحرب شكلت ملاذًا للقوارض، مع توفر الغذاء والمأوى وانعدام العدو الطبيعي، ما جعلها تشكل تهديدًا حقيقيًا لما تبقى من القطاع الزراعي.

وبيّن أن معالجة مشكلة القوارض لا تقتصر على وسائل المكافحة الميكانيكية، مثل استخدام المصائد، بل يجب تنظيف محيط الحقول من القمامة والركام، والأهم معالجة المشكلة من جذورها، عبر إدارة النفايات وتحسين الصرف الصحي في المخيمات.

وشدد الخبير الزراعي على أن خطط إعادة تأهيل القطاع الزراعي لا بد أن تشمل برامج لمكافحة القوارض، لا أن تقتصر على توفير البذور والأسمدة والمياه وإعادة إصلاح الأراضي، مشيرًا إلى أن حماية المحصول تبدأ من حماية البيئة التي ينمو فيها، وأن أي تعافٍ زراعي حقيقي لن يكتمل دون ذلك.

تأتي القوارض في وقت تقلص فيه أصلًا ما تبقى من الأراضي الزراعية القادرة على الإنتاج، وتراجعت قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وحمايتها.

لكن ما يواجهه المزارعون اليوم يتجاوز خسارة ثمرة أو تلف محصول، إذ تأتي القوارض في وقت تقلص فيه أصلًا ما تبقى من الأراضي الزراعية القادرة على الإنتاج، وتراجعت قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وحمايتها.

وفي أحدث بياناتها، حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" من أن الأراضي الزراعية في القطاع، الصالحة للاستخدام وغير المتضررة، تراجعت بنسبة (25.5%) خلال 8 أشهر جراء حرب الإبادة الجماعية.

وقالت المنظمة في آب/ أغسطس الجاري "إن 97% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة إما متضررة أو يتعذر الوصول إليها".

وجاء ذلك في تقييم جغرافي مكاني جديد أصدرته المنظمة بالتعاون مع مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات"، داعيةً إلى تحرك عاجل ومستدام لاستعادة الإنتاج الزراعي في غزة، من خلال ضمان وصول المزارعين بأمان إلى أراضيهم، وتسهيل دخول مستلزمات الإنتاج الزراعي الأساسية، ودعم إعادة تأهيل الأراضي المتضررة.

وبين أرضٍ أنهكتها الحرب، وركامٍ صار مأوى للقوارض، ونفايات تتسع دون حلول، يجد المزارع نفسه أمام معركة جديدة على ما تبقى من أرض قادرة أن تُنبت، ومحصولٍ قادر على أن يكتمل.

كاريكاتـــــير