شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 اعسطس 2026م13:17 بتوقيت القدس

زميلٌ ومُنافسٌ.. الذكاء الاصطناعي يفتح أبوابًا ويغلق أخرى بغزة

17 اعسطس 2026 - 13:03

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن نعمة الجاروشة تتخيل أن الأداة التي دخلت سوق العمل تحت عنوان "المساعدة" ستصبح يومًا سببًا في خروجها منه.

لأكثر من ثلاثة أعوام، كانت تعمل معلمة للغة الإنجليزية عبر تطبيق تعليمي تديره شركة سعودية، تقدم من خلاله دروسًا للطلبة عن بُعد، تشرح لهم، وتتابع مستوياتهم، وتبني مع الوقت خبرةً جعلت من التعليم الإلكتروني مهنتها ومصدر دخلها، ثم بدأ كل شيء يتغير بهدوء.

لم تخسر نعمة وظيفتها بعد سنوات فحسب، بل شعرت للحظة أنها تخسر قيمة ما راكمته طوال تلك السنوات من معارف وخبرة.

انتشرت أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقدم الشروحات والترجمات والإجابات والتمارين التعليمية خلال دقائق، فتراجع الإقبال على المنصة التي كانت تعمل من خلالها، وانخفضت الإيرادات، قبل أن تبدأ الشركة تقليص عدد العاملين فيها، وفي نهاية المطاف، كانت نعمة واحدة ممن طالتهم موجة الاستغناء.

لم تخسر نعمة وظيفتها بعد سنوات من العمل فحسب، بل شعرت للحظة أنها تخسر قيمة ما راكمته طوال تلك السنوات من معارف وخبرة.

تحكي لـ"نوى" أن قرار إنهاء عملها كان صادمًا، خصوصًا بعدما أمضت أكثر من ثلاثة أعوام في تطوير خبرتها في مجال التعليم الإلكتروني، مشيرة إلى أنها شعرت في البداية بأن دراستها وجهدها المهني فقدا جزءًا من قيمتهما أمام سرعة التغير الذي فرضته أدوات الذكاء الاصطناعي.

"المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تترك العاملين وحدهم في مواجهة هذا التحول، بل تحتاج إلى إعادة تأهيل  تمنحهم القدرة على الانتقال إلى وظائف جديدة".

كانت ترى في البداية أن هذه الأدوات يمكن أن تكون يدًا إضافية للمعلم، تختصر الوقت وتساعده على إعداد مواده، لكنها وجدت نفسها في النهاية أمام واقع مختلف: آلة لا تساندها في أداء عملها، بل تنافسها عليه.

وترى نعمة أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تترك العاملين وحدهم في مواجهة هذا التحول، بل تحتاج إلى إعادة تأهيل حقيقية تمنحهم القدرة على الانتقال إلى وظائف جديدة بدل أن يصبحوا أول ضحايا التكنولوجيا.

لكن ما يبدو خسارةً في تجربة شخص ما، قد يكون بابًا فُتح لشخص آخر، فبالنسبة إلى الدكتورة إسراء فروانة، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والأكاديمية في الكلية الجامعية، لم يكن انتشار هذه التقنيات نهاية لمسار مهني، بل بداية لمسار جديد، فالدكتوراة التي حصلت عليها في الذكاء الاصطناعي أتاحت لها العمل في التدريس والتدريب الأكاديمي، ونقل المعرفة إلى الطلاب في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مشاركتها في التدريب من خلال مركز سنابل الخير الشبابي.

تقول لـ"نوى": "إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى مختلف القطاعات خلق مساحات مهنية لم تكن موجودة بالشكل نفسه من قبل، لكنه في المقابل يفرض على العاملين والشباب تحديدًا أن يتعلموا باستمرار، لأن المهارات المطلوبة في سوق العمل تتغير بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا".

وترى أن فقدان بعض الوظائف لا يمكن اختزاله في وجود الذكاء الاصطناعي وحده، فطريقة تعامل الأفراد والمؤسسات مع التحول لا تقل أهمية عن التقنية نفسها؛ فمن يتوقف عن التعلم قد يجد نفسه خارج سوق العمل، بينما يستطيع من يطور مهاراته أن يحول الأداة ذاتها إلى فرصة.

بالنسبة إليها، لا تكمن المسألة في الاختيار بين الإنسان والآلة، وإنما في قدرة الإنسان على معرفة ما الذي يمكن أن تفعله الآلة، وما الذي لا يزال يحتاج إلى عقل بشري وخبرة لا يمكن اختزالها في خوارزمية.

مصممة أزياء: "أدوات الذكاء الاصطناعي لم تدخل لمجالي باعتبارها وسيلة مساعدة فحسب، بل أصبحت سببًا مباشرًا في تقليص فرص العمل المتاحة".

لكن هذه المعادلة ليست سهلة على الجميع، خصوصًا أولئك الذين وجدوا أنفسهم في وظائف يمكن للتقنيات الجديدة أن تنجز جزءًا كبيرًا منها بسرعة وكلفة أقل.

أروى النحال تعرف ذلك جيدًا، إذ كانت تعمل في مجال التصميم ضمن فريق في قطاع غزة يقدم خدمات لشركات خليجية ومحلية، قبل أن تتغير طبيعة العمل مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.

بدأت الشركات تعتمد بصورة أكبر على هذه الأدوات لإنتاج التصاميم بسرعة أكبر وبتكلفة أقل، فتقلص حجم الفريق، وكانت أروى من بين من فقدوا وظائفهم.

تقول لـ"نوى": "إن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تدخل إلى مجالي باعتبارها وسيلة مساعدة فحسب، بل أصبحت بتجربتي سببًا مباشرًا في تقليص فرص العمل المتاحة للمصممين". ما يؤلمها أن سنوات الخبرة لم تكن كافية هذه المرة لحماية وظيفتها.

"العاملون في المجالات الإبداعية باتوا أمام ضرورة حقيقية لتطوير مهاراتهم باستمرار، ليس لمنافسة الآلة في السرعة، وإنما لتعلم كيفية استخدامها".

وتضيف: "العاملون في المجالات الإبداعية باتوا أمام ضرورة حقيقية لتطوير مهاراتهم باستمرار، ليس لمنافسة الآلة في السرعة، وإنما لتعلم كيفية استخدامها دون التخلي عن الجزء الذي يجعل العمل الإبداعي إنسانيًا، مثل فهم احتياجات العميل، وقراءة السياق، والتقاط التفاصيل الثقافية، وتحويل الفكرة إلى عمل يحمل معنى، لا مجرد صورة تنتج خلال ثوانٍ".

وهنا تحديدًا تتغير طبيعة السؤال، فالمشكلة لم تعد (هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟)، بل (أي الوظائف سيغير؟) و(أي المهام سيختصر؟) و(من سيجد نفسه قادرًا على العمل معه، ومن سيجد نفسه مستغنى عنه بسببه؟).

بدوره، يقول مستشار الإعلام الرقمي وأنظمة التأثير سائد حسونة لـ"نوى": "إن الذكاء الاصطناعي يعيد بالفعل تشكيل سوق العمل، لكنه لا يلغي الوظائف في معظم الحالات بقدر ما يعيد تقسيمها إلى مهام، فتتجه الأعمال المتكررة والقابلة للأتمتة إلى الآلة، بينما تبقى المهام التي تتطلب الإبداع والحكم البشري والتواصل واتخاذ القرار أكثر ارتباطًا بالإنسان".

حسونة: "التأثير الأكبر يطال الوظائف التي تقوم على مهام روتينية، مثل إدخال البيانات والنسخ وبعض أعمال خدمة العملاء".

ويشير إلى أن التأثير الأكبر يطال الوظائف التي تقوم على مهام روتينية، مثل إدخال البيانات والنسخ وبعض أعمال خدمة العملاء، في الوقت الذي تنشأ فيه تخصصات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من تدريب النماذج وتحليل البيانات إلى الحوكمة والأمن السيبراني.

وفي الإعلام، وهو أحد القطاعات التي تتقاطع فيها التكنولوجيا الجديدة مع العمل البشري بصورة مباشرة، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تفريغ المقابلات وإعداد المسودات وتنفيذ التصاميم الأولية وإنجاز عدد من المهام التي كانت تحتاج سابقًا إلى وقت وجهد كبير.

لكن السرعة لا تعني بالضرورة الدقة -يوضح حسونة- "فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مهمة لرفع الإنتاجية، لكنه لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن المادة المنتجة، ولا أن يضمن بمفرده صحة المعلومات أو ملاءمة المحتوى للسياق، وهي مسؤوليات تظل مرتبطة بالإنسان" يقول.

"التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات يمكن أن تسهم حتى عام 2030م في خلق نحو 11 مليون وظيفة، مقابل إزاحة نحو 9 ملايين وظيفة".

ومن هنا، يرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية الاستعداد له، فالمؤسسات التي تدرب موظفيها على استخدام هذه الأدوات قد تجعل منها وسيلة لزيادة الإنتاجية، بينما قد تتحول التقنية نفسها إلى أداة للاستغناء عن العاملين في المؤسسات التي تتعامل معها باعتبارها بديلًا كاملًا.

وتشير توقعات تقرير "مستقبل الوظائف 2025م" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات يمكن أن تسهم حتى عام 2030م في خلق نحو 11 مليون وظيفة، مقابل إزاحة نحو 9 ملايين وظيفة، وفق الأرقام التي يستند إليها حسونة، وهي تقديرات مستقبلية وليست حصيلة فعلية لما حدث حتى الآن.

 وربما لهذا لن يكون السؤال في السنوات المقبلة عمّا إذا كان الإنسان سيبقى في سوق العمل، بقدر ما سيكون عن شكل العمل الذي سيبقى له.

كاريكاتـــــير