الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في زاوية من بيت حجري قديم شرقي بلدة "عزون"، بين مدينتي نابلس وقلقيلية، تجلس الحاجة ندية صادق "أم سلمي" (86 عامًا) على شرفة تطل على أراضي الزيتون.
ترفع سبابتها نحو الأفق، وتشير إلى أماكن لا تحمل أسماءً على الخريطة، لكنها ما تزال حاضرة في ذاكرتها بعد نحو سبعة عقود.
تقول: "هناك كان بير المي.. كل النسوان كانن يجتمعن قدامه الصبح. وفي هذيك الجهة كان الحجر اللي بنعصر عليه الزيتون، وهذيك التينة زرعها أبوي يوم انولد أخوي سميح".
بالنسبة لأم سلمي، لم تكن القرية مجرد بيوت وطرقات، بل شبكة من التفاصيل التي حفظتها النساء وعرفن بها المكان: أسماء الحقول والوديان والينابيع، مواقع الآبار والأشجار، مواسم الزراعة والحصاد، طرق إعداد الطعام وحفظ المؤونة، تفاصيل البيوت، وأعراف القرابة والجيرة.
"حياة القرية القديمة كانت بسيطة وجميلة. حماي وحماتي كانوا محور حياة العيلة، وكنا أنا وزوجي وإسلافي وعائلاتهم ساكنين في نفس البيت".
تضيف: "حياة القرية القديمة كانت بسيطة وجميلة. حماي وحماتي كانوا محور حياة العيلة، وكنا أنا وزوجي وإسلافي وعائلاتهم ساكنين في نفس البيت، كل واحد إله غرفة، ونأكل ونشرب ونشتغل في الأرض مع بعض".
كان البيت وحدة متكاملة، طابون واحد تتناوب الكناين على إعداد الخبز فيه، وحظيرة للدواب وخم للدجاج في طرفه، وكانت مخلفات الحيوانات تُجمع وتنقل إلى الأرض قبل موسم المطر لتسميد الأشجار.
أما "بيت المونة"، فكان مخزن العائلة ومصدر أمنها الغذائي. تتولى الحماة إدارته، وتحفظ فيه زيت الزيتون والقمح والرصيع والخضراوات المجففة، مثل البامية والملوخية والبندورة، إلى جانب الشعير والكرسنة وقش القمح المستخدم علفًا للحيوانات.
تخبرنا: "كل شي بنحتاجه في حياتنا كنا نعمله.. الصابون مثلًا، كانت حماتي تعمله من زيت الزيتون القديم".

تكشف هذه التفاصيل عن نمط حياة كان يعتمد بدرجة كبيرة على إنتاج الاحتياجات المنزلية وحفظها وإعادة استخدامها، وكانت المرأة في قلب هذه المنظومة، تعرف مواسم التخزين، وطرق التجفيف، وما يصلح للشتاء، وما تحتاجه الأرض، وما يحتاجه البيت.
ولم تكن هذه المعرفة تُدوّن في دفاتر. كانت تنتقل شفهيًا في أحاديث البيوت، وأثناء العمل في الأرض، وفي ليالي السمر ومواسم الحصاد والأعراس، حتى تحولت النساء المسنات إلى ذاكرة حية تختزن ما لا تظهره الخرائط ولا تحفظه الوثائق الرسمية.
وحين ينظر أحفاد أم سلمي إلى المكان الذي تشير إليه، يرون أشجار زيتون ومبانٍ إسمنتية وملامح جديدة، أما هي، فتستعيد قريةً أخرى تحتفظ بتفاصيلها في ذاكرتها.
وحين تُسأل كيف احتفظت بكل هذه التفاصيل طوال هذه السنوات، تبتسم وترد: "ما كان عنا دفاتر.. عقولنا كانت الدفاتر".
القرية بأسماء لا تظهر على الخرائط
في قرية صرّة، غربي نابلس، تحتفظ الحاجة فاطمة الترابي (83 عامًا) بذاكرة مختلفة للمكان.. ذاكرة تعرف القرية من علاماتها القديمة، لا من شوارعها الحديثة.
تقول: "اليوم الناس بتعرف أماكن البيوت بأسماء الشوارع والعمارات، لكن إحنا كنا نعرف البيوت بأسماء الأشجار والخلايل والخِرب. نقول بيت أبو فلان عند السنديانة، أو بعد عين المي، أو في خلة كذا".
كان المكان في الذاكرة الشعبية يُقرأ من خلال معالمه الطبيعية والاجتماعية: شجرة كبيرة، عين ماء، خلة، خربة أو بيدر. وقد تتغير هذه العلامات أو تختفي، لكن أسماءها بقيت حاضرة لدى جيل عاشها وعرفها.
تقول فاطمة: "لو سألتني عن أي أرض، شو كانوا يزرعوها زمان، بعرف".
تتذكر المسنات كيف كانت البيوت تُبنى بالحجر والطين، وكيف كانت "العونة" تجمع أهل القرية لبناء بيت أو إنجاز عمل شاق، وكيف كانت النساء يتشاركن إعداد الخبز، ومواسم القطاف.
ثم تستحضر الفجوة بين جيلها وأحفادها، فتزيد: "حفيدتي بتعرف تستعمل التلفون، لكن لو سألتها ليش سموا خلة الجرن بهذا الاسم ما بتعرف".
ولا تتوقف ذاكرة النساء عند أسماء الأماكن وحدود الأراضي، بل تمتد إلى تفاصيل من الحياة اليومية قلما تظهر في السجلات الرسمية.
يتذكرن كيف كانت البيوت تُبنى بالحجر والطين، وكيف كانت "العونة" تجمع أهل القرية لبناء بيت أو إنجاز عمل شاق، وكيف كانت النساء يتشاركن إعداد الخبز، ومواسم قطاف الزيتون وحصاد القمح، وكيف كانت الأعراس مناسبة تتداخل فيها العائلة والجيرة والعمل الجماعي.
ويحتفظن كذلك بذاكرة التحولات التي غيّرت شكل الحياة: وصول الكهرباء، وتغير أدوات الزراعة، وانتشار السيارات، وتبدل الملابس، وانتقال الأسر من البيوت القديمة إلى الأبنية الحديثة، وتراجع التعاون بين الجيران.

بدوره، يقول الباحث في التاريخ ممدوح البري: "الوثائق الرسمية لا تحفظ تفاصيل الحياة اليومية للناس: كيف كانوا يزرعون، أو يحتفلون، أو يتعاونون. هذه الذاكرة يحملها كبار السن، خاصة النساء، وهن يمثلن أرشيفًا شفهيًا".
ويضيف: "الذاكرة ليست أسماء وتواريخ فقط، بل طريقة عيش كاملة.. كيف كان الناس يفكرون، وكيف كانوا يسمّون الأماكن، وكيف كانوا يتعاملون مع الأرض والماء والمواسم".
ماذا تخسر القرية حين ترحل ذاكرتها؟
تتغير القرى مع الزمن، لكن بعض التحولات تمحو معها علامات يصعب استعادتها، مثل بئر يُردم، أو شجرة معمرة تجف، أو بيت قديم يُهدم، أو اسم مكان يتوقف الناس عن استخدامه.
وعندما تختفي العلامة المادية، قد تبقى الحكاية في ذاكرة من عاشها. لكن هذه الذاكرة نفسها ليست أبدية. برحيل أصحابها، قد تختفي معها أسماء وتفاصيل لا تحفظها الصور ولا الوثائق.
توثيق روايات المسنات هو محاولة لحفظ طبقات من تاريخ المجتمع وتحولاته: أسماء الأماكن، وتفاصيل البيوت، والعلاقات بين الناس، وما كانت تعنيه الأرض لمن عاشوا عليها..
لهذا يصبح توثيق روايات النساء المسنات أكثر من تسجيل حكايات شخصية. إنه محاولة لحفظ طبقات من تاريخ المجتمع وتحولاته: أسماء الأماكن، وتفاصيل البيوت، والأدوات، وطرق العمل، والعلاقات بين الناس، وما كانت تعنيه الأرض لمن عاشوا عليها.
فتسجيل أصواتهن يحوّل الذاكرة الفردية إلى مادة يمكن للأجيال المقبلة الرجوع إليها، قبل أن تضيع التفاصيل مع أصحابها.. فهي لا تحفظ فقط أين كانت القرية، بل كيف كانت تعيش.
وحين تصمت آخر امرأة تعرف تفاصيلها، لا يغيب صوت من أصوات الماضي فحسب، بل قد يضيع معه جزء من هوية المكان لا يمكن استعادته.























