شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 12 اعسطس 2026م14:13 بتوقيت القدس

نحو 50% من مساحته باتت تحت السيطرة الإسرائيلية..

تحت نارٍ مُمطرة.. نزوحٌ إلى "التيه" في "الزيتون"!

12 اعسطس 2026 - 08:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

رصاص طائرات الكواد كابتر اخترق جدران المباني، وقذائف المدفعية تساقطت حولها بلا توقف. تحولت سماء تلك الليلة إلى لهيب تحت صواريخ طائرات الأباتشي، وبدأت في السابع والعشرين من يوليو/ تموز المنصرم، فصول الرعب في شارع "صهيون" بحي الزيتون شرقي قطاع غزة، قبل أن تصل أوامر الجيش الإسرائيلي بضرورة الإخلاء الفوري.

تقول وفاء عاشور لـ"نوى": "في تلك الليلة لم نكن نعرف ما يدور حولنا، لا سيما أن الإنترنت والكهرباء لم يكونا متوفرين في منطقتنا".

"كانت هناك عشرات الجثامين ملقاة على الأرض، وآخرون أصيبوا، ولا أحد قادر على التقدم لإنقاذهم أو انتشال الشهداء".

لم يكن أمام وفاء وعائلتها سوى خيارات قاسية، لكن أحلاها كان مُرًّا: البقاء في المنزل وانتظار بزوغ الفجر، بينما الأطفال يرددون آياتٍ علمتها لهم أمهاتهم "وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون".

بعد المغرب مباشرة، بدأت الرسائل تنهال على هاتف وفاء، تحمل أخبارًا عن تقدم الجيش الإسرائيلي في منطقتهم. تقول: "كانت هناك عشرات الجثامين ملقاة على الأرض، وآخرون أصيبوا، ولا أحد قادر على التقدم لإنقاذهم أو انتشال الشهداء".

وبينما كان الخوف يحاصر العائلة داخل منزلها، كانت المنطقة من حولها تتحول إلى مساحة مفتوحة للموت، لا يعرف سكانها من أين يأتي القصف ولا إلى أين يمكنهم الفرار.

وبعد يومٍ من تلك الليلة، أنذر الجيش الإسرائيلي جميع النازحين الموجودين في المخيمات القريبة من مفترق دولة شرقي حي الزيتون والأحياء المحيطة به بالإخلاء الفوري، تمهيدًا لعملية عسكرية ستنفذ عند مفترق دولة على شارع صلاح الدين شرقي حي الزيتون.

وهنا، مرةً أخرى، وجدت وفاء وعائلتها أنفسهم أمام الرحيل، جمعوا بعض مقتنياتهم على عجل، فيما ظل السؤال نفسه يلاحقهم: "وين بدنا نروح؟".

تزيد بصوت حزين: "حتى اللحظة لم نجد مكانًا يأوينا. تفرقنا جميعًا، كل واحد منا إما في بيت صديقه أو قريبه". لم يعد النزوح انتقالًا من مكان إلى آخر، بل صار تفتيتًا للعائلات، وتوزيعًا لأفرادها على بيوت الآخرين، في محاولة للبقاء فقط.

يوميًا، تتقدم آليات الاحتلال الإسرائيلي، ومن بينها "المكعب الأصفر"، في قطاع غزة، حتى وصلت إلى شارع صلاح الدين، وتحديدًا عند دوار دولة شرق حي الزيتون.

ومع كل تقدم جديد، تتقلص المساحة التي يستطيع السكان الاحتماء فيها، ويتسع الطريق الذي يقودهم إلى نزوح آخر لا يعرفون نهايته.

"فكرة النزوح بحد ذاتها مرعبة، فهو أصعب شيء في الحياة. نمشي حائرين تائهين، لا مكان يسعنا، لا سيما أنني المسؤولة عن عائلتي بعد استشهاد إخوتي".

وحين سُئلت وفاء عن رحلات النزوح التي تعيشها حتى اللحظة، لم تتحدث عن الطريق بقدر ما تحدثت عن الشعور الذي يتركه في داخلها.

تخبرنا: "فكرة النزوح بحد ذاتها مرعبة، فهو أصعب شيء في الحياة. نمشي حائرين تائهين، لا مكان يسعنا، لا سيما أنني المسؤولة عن عائلتي بعد استشهاد إخوتي".

ثم تصفه بجملةٍ تختصر ثقل التجربة: "شعور موجع، تبكي بداخلك دون أن تخرج الدموع من عينيك".

المأساة ذاتها تعيشها عائلة محمود العايدي، التي نزحت أكثر من عشرين مرة خلال الحرب، وها هي اليوم تنزح مجددًا تحت النار، من بيت لم تكتمل فرحتهم بنجاته.

يقول محمود لـ"نوى": "كنت أعيش أنا وأمي وأختي في بيتنا بحي الزيتون. نزحنا منه تحت النار، ولا نعلم أين نذهب، فكل الأماكن في غزة ممتلئة بالنازحين".

عاش محمود وعائلته الليلة نفسها تحت القصف والخوف. يتابع: "تقدم الجيش الإسرائيلي تحت قصف جنوني وعنيف من الطائرات. حوصرنا في البيت وانتظرنا حتى الصباح، ولولا لطف وعناية الله لاستشهدنا جميعًا".

"فكرة النزوح بحد ذاتها مرعبة، فهو أصعب شيء في الحياة. نمشي حائرين تائهين، لا مكان يسعنا، لا سيما أنني المسؤولة عن عائلتي بعد استشهاد إخوتي".

لم يكن الصباح بالنسبة إليهم بداية يوم جديد، بل موعدًا آخر مع النزوح. حمل محمود وعائلته حقائب النزوح، ومضوا نحو المجهول. المدارس والأماكن العامة ممتلئة بالنازحين، والملاجئ التي يفترض أن تكون ملاذًا لم تعد تتسع للمزيد.

يصف المشهد بقوله: "كانتزاع الروح من الجسد"، وحتى اللحظة، لا تجد العائلة مكانًا يأويها، بعدما ضاقت بها الأرض بما رحبت.

حال محمود كحال معظم أهالي غزة الذين يعيشون قرب الخط الأصفر، مهددون في أي لحظة بنزوح قسري جديد، إلى جانب الخطر المباشر الذي يهدد حياتهم، فيما لا يجدون جهة تنقذهم مما هم فيه.

وبين بيت يتركونه وشارع يسلكونه ومكان مؤقت يبحثون عنه، تتكرر التغريبة ذاتها، ويصبح البقاء في المكان مخاطرة، والرحيل مخاطرة أخرى.

ووفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، اتسعت المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال لتلتهم نحو 65% من إجمالي مساحة قطاع غزة، بعدما كانت تُقدّر بـ53%.

وبحسب بيانه، "لا يقتصر تمدد الاحتلال على سرقة الأرض، بل يرافقه إرهاب دموي مباشر، حيث وثق استشهاد 23 مواطنًا خلال أسبوع واحد فقط، بين 13 و20 يوليو الجاري، بالقرب من هذا الخط".

حي الزيتون بات مساحة تتقلص أمام أهلها يومًا بعد يوم، فكل تقدم عسكري يرسم حدودًا جديدة للخوف، وكل أمر نزوح يقتطع من حياة عائلة جزءًا آخر، حتى أصبحت غزة التي كانت تتسع لأهلها رغم الحرب، مكانًا يضيق بهم كلما اتسعت رقعة السيطرة الإسرائيلية.

كاريكاتـــــير