شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2026م14:42 بتوقيت القدس

بالخيوط والطحين الممزوج بالماء والسيليكون..

عجلاتٌ "مُرقّعة".. كي تبقى غزّة على الطريق!

11 اعسطس 2026 - 08:25

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يمرّر البنشرجي محمود حجاج أصابعه السوداء على إطار مركبة ممزق، يتفقد ثقوبه وشقوقه المتناثرة، قبل أن يبدأ رحلة أخرى لإنقاذ ما تبقى منه.

يخيطه مرة، ويرقّعه بأجزاء من السيليكون مرة أخرى، ثم يلجأ إلى خلط الطحين بالماء لسد ما عجزت عنه المواد الأخرى، من أجل إبقاء الإطار صالحًا أسبوعًا أو شهرًا إضافيًا، في قطاع باتت فيه الإطارات -حتى المستهلكة- نادرة الوجود.

من داخل الورشة، التي يعمل فيها حجاج منذ عشرين عامًا، يستعيد الرجل كيف كانت الأمور قبل حرب الإبادة بقوله: "لم يكن هناك إصلاح وترقيع للإطارات سوى مرة واحدة، ثم نستبدلها لأنها كانت متوفرة وأسعارها في متناول أيدي السائقين، لكن ما خلّفته الحرب جعلنا نرقّع الإطار ثلاث وأربع مرات، وأحيانًا تصل الرقع إلى عشر وعشرين رقعة وأكثر في الإطار الواحد".

ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، يواجه قطاع غزة أزمة متفاقمة بفعل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال إطارات المركبات "الكوشوك"، والزيوت الصناعية وقطع الغيار، لتتحول عملية الترقيع إلى مهنة أساسية في معظم ورش الصيانة.

يقول حجاج لـ"نوى": "الورش باتت ترقّع إطارات كل شيء تقريبًا: من الدراجات الهوائية والسيارات، إلى الحافلات ومركبات الإسعاف وشاحنات النقل"، مضيفًا: "نرقّع ونخيط العجلة بالخيوط وقطع السيليكون، والمواد نفسها أصبحت نادرة وباهظة الثمن، لذلك نعتمد على ما خُزّن قبل الحرب".

"كيلوغرام مواد الترقيع كان يباع بستة شواكل فقط، أي نحو دولارين، لكنه ارتفع اليوم إلى 120 شيكلًا، أي ما يعادل 40 دولارًا تقريبًا!".

ومع ندرة الإطارات، تضاعفت أعباء الصيانة على أصحاب الورش والسائقين، فما كان إصلاحه يكلف شواكل قليلة، أصبح اليوم يستنزف آلاف الشواكل.

يوضح حجاج أن كيلوغرام مواد الترقيع كان يباع بستة شواكل فقط، أي نحو دولارين، لكنه ارتفع اليوم إلى 120 شيكلًا، أي ما يعادل 40 دولارًا تقريبًا، فيما قفز سعر الإطار من 120 شيكلًا إلى 60 ألف شيكل، إن وُجد أصلًا.

ولا يستطيع حجاج إخفاء خوفه من الثمن الذي قد يدفعه السائقون جراء تكرار ترقيع إطارات عرباتهم. يقول بأسى: "الإطار المرقّع والمخيط قد ينفجر في أي لحظة أثناء القيادة. عن نفسي أُخبر السائق بذلك ليكون على علم بأن انفجاره قد يفقده السيطرة على المركبة، فيصطدم بالمارة والبسطات المنتشرة على جوانب الطرق، لكن ما باليد حيلة".

ويتابع: "توقف الورش يعني شل حركة المركبات المستخدمة في التنقل ونقل البضائع وجلب الاحتياجات الأساسية"، واصفُا الواقع بقوله: "تحت الصفر"، بسبب استمرار النقص وارتفاع الأسعار وتزايد سرقة الإطارات نتيجة ندرتها.

وفي ورشة الصيانة نفسها، كان أشرف أبو عاصي ينظر إلى ساعته بين لحظة وأخرى، مستعجلًا البنشرجيه لإنهاء إصلاح عجلات مركبته، حتى يتمكن من الوصول إلى المطعم الذي يديره في الموعد المحدد، من أجل توزيع وجبات الطعام على المؤسسات الإغاثية.

الرجل الخمسيني يخبر "نوى" أنه بات يحسب مشاويره قبل الخروج، ويقدّر المسافات ويحاول اختصارها، واقتصرت تحركاته على جلب العمال إلى المطبخ وتوزيع الوجبات، لتخفيف الضغط عن الإطارات، لكنه، رغم كل ذلك، يجد نفسه يوميًا أمام ورش الصيانة، إذ تتعرض عجلات مركبته للانفجار بسبب الطرق المدمرة التي تغطيها الركام والحجارة والمسامير، فيضطر إلى ترقيعها ليستطيع إكمال مهامه.

يقول أبو عاصي: "أذهب مرتين يوميًا إلى ورش الصيانة، وصيانة أعطال الإطارات تستنزف دخلي المحدود، لأن عمليات الإصلاح تتكرر باستمرار، لكن لا خيار آخر أمامنا".

وما يفعله أبو عاصي ليس حالة استثنائية، إذ يوضح الخبير الفني الميكانيكي كرم الكفارنة أن خياطة الإطارات كانت قبل الحرب نادرًا ما تحدث؛ لأن السائق يستطيع استبدال الإطار المتضرر مباشرة قبل وصوله إلى مرحلة الخطر.

"أما اليوم فأصبحت خيارًا اضطراريًا بسبب نفاد الإطارات الجديدة، وإغلاق المعابر، وصعوبة إدخال قطع الغيار إلى قطاع غزة" يستدرك.

ويحذر الكفارنة من أن الإطار الذي خضع للخياطة لا يستعيد مواصفاته الفنية ولا مستوى الأمان الذي صُمم عليه، بل يصبح أكثر عرضة للانفجار والتمزق، خصوصًا عند السرعات العالية أو عند تحميل المركبة أوزانًا كبيرة.

ويقول: "انفجار الإطار المفاجئ قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على المركبة، ولا سيما في المنعطفات، ما يرفع احتمالات انحرافها أو انقلابها، وما قد يترتب عليه من إصابات وخسائر في الأرواح والبضائع، فضلًا عن أضرار ميكانيكية تقصّر عمر المركبة.

وبين خيط وقطعة سيليكون وطحين ممزوج بالماء، تتكرر محاولة إبقاء عجلات غزة على الطريق، فيما تبقى المطالبة بإدخال إطارات جديدة وقطع الغيار ضرورة عاجلة لتفادي مخاطر إصلاحات لا تمنح الأمان، لكنها أصبحت الحل الوحيد المتاح.

كاريكاتـــــير