شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 21 يوليو 2026م09:51 بتوقيت القدس

نزوح وسوء تغذية وخوف دائم وقوارض وأمراض معدية..

أجنّة في رحم "الحرب".. نبضٌ أطفأه الحصار!

20 يوليو 2026 - 11:34

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في غزة، لم تعد النساء الحوامل يخشين آلام المخاض فحسب، بل أصبحن يخشين ألا يبلغ الحمل نهايته. فبين الجوع والنزوح، وانهيار المنظومة الصحية، تحولت الأجنة إلى ضحايا صامتة لحرب إبادةٍ مستمرة، فغدت قصص الإجهاض والولادات المبكرة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

تجرعت ألفت عاشور (38 عامًا) مرارة الفقد مرتين. في الأولى كانت قد تجاوزت شهرها السادس من الحمل، وبدأت تستعد لاستقبال طفل جديد ينضم إلى أطفالها الخمسة، قبل أن تخسره وسط النزوح والجوع وانعدام الرعاية الصحية.

"نعاني انعدام النظافة، وسوء التغذية، ونعتمد طعام التكايا ومعظمه من البقوليات.. المياه ملوثة، والحشرات والقوارض تحاصرنا، ولا يوجد فيتامينات أو أي رعاية صحية".

وبعد أشهرٍ قليلة، تكررت المأساة، فسقط جنينها الثاني في شهره الرابع، لتتحول رحلة الأمومة بالنسبة إليها إلى سلسلة من الفقد لا تعرف متى تنتهي.

داخل خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، تستعيد ألفت تفاصيل تجربتي الحمل القاسيتين، وتقول لـ"نوى": "ما عاشته لم يكن حادثًا منفصلًا عن سياق الحرب، بل نتيجة مباشرة لواقع يهدد حياة النساء الحوامل وأجنتهن".

بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالغضب، تضيف: "كل الكلمات لا تعبر عن سوء الحياة داخل خيام النزوح: نعاني من انعدام النظافة، وسوء التغذية، ونعتمد على طعام التكايا، وهو طعام رديء وغير صحي، ومعظمه من البقوليات.. المياه ملوثة، والحشرات والقوارض تحاصرنا، ولا توجد فيتامينات أو رعاية صحية أو أي اهتمام".

ولا تقف معاناتها عند خسارة جنينيها، فهي مصابة بالربو، ويمنعها الأطباء من التعرض للدخان، لكنها تضطر يوميًا لإشعال الحطب من أجل إعداد الطعام لعائلتها.

تخبرنا: "أعاني ضيقًا في التنفس، لكن لا خيار أمامي، وزوجي مصاب في الحرب، وأطفالي ما زالوا صغارًا، وأنا من يتحمل مسؤولية الأسرة".

قصة ألفت ليست استثناءً، ففي غزة، لم تعد الحرب تحصد أرواح من وُلدوا فقط، بل امتدت إلى من لم يروا النور بعد، مع تدهور غير مسبوق في الصحة الإنجابية.

في خيمة أخرى بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تنتظر نهى الزاملي (25 عامًا) مولودها الثالث وهي مثقلة بالخوف.

النازحة من رفح، والأم لطفلتين، تقضي شهرها الثامن من الحمل في ظروف تصفها بأنها الأصعب في حياتها.

وتحكي أنها تعاني نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب، إلى جانب غياب الرعاية الصحية والاكتظاظ الشديد في مناطق النزوح، مشيرةً إلى أنها قبل أسابيع، نُقلت إلى مستشفى ناصر بعد ظهور مؤشرات ولادة مبكرة.

وتضيف: "أخبرني الأطباء أنني أعاني من سوء تغذية، وأن حجم الجنين أصغر من المعدل الطبيعي"، قبل أن تصمت للحظة، فيما يسبق القلق كلماتها.

"الغلاء الحاد وتراجع دخل الأسرة جعلا الحصول على الغذاء المناسب حلمًا بعيد المنال لدى النساء الحوامل".

أما إيمان اصليح (22 عامًا)، النازحة أيضًا من رفح، فتؤكد أن الغلاء الحاد وتراجع دخل الأسرة جعلا الحصول على الغذاء المناسب حلمًا بعيد المنال لدى النساء الحوامل.

وتقول: "الحوامل يعانين نقصًا شديدًا في الغذاء والفيتامينات، في ظل غياب الرعاية الصحية"، ملفتةً إلى أن الأطباء اضطروا إلى استخدام الطلق الصناعي معها بعد بلوغها الشهر التاسع من الحمل.

"لم تسجل المستشفيات سوى نحو 15 ألف ولادة منذ بداية العام، بينما تشير التقديرات إلى أن إجمالي المواليد لن يتجاوز 30 ألفًا مع نهايته".

ولا تقتصر آثار الحرب على الشهادات الفردية، بل تؤكدها الأرقام أيضًا، فبحسب مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، شهد قطاع غزة نحو 57 ألف ولادة عام 2022م، قبل أن ينخفض العدد إلى 54 ألفًا في 2023م، ثم إلى 38 ألفًا في 2024م، ويرتفع إلى نحو 50 ألف مولود في 2025م، لكنه ظل أقل بنحو 13% من المعدلات الطبيعية قبل الحرب.

ويصف العام الجاري بأنه الأخطر منذ اندلاع الحرب، إذ لم تسجل المستشفيات سوى نحو 15 ألف ولادة منذ بداية العام، بينما تشير التقديرات إلى أن إجمالي المواليد لن يتجاوز 30 ألفًا مع نهايته.

ويقول لـ"نوى": "الاحتلال لا يستهدف الإنسان بالقصف وحده، بل يهاجم أيضًا المنظومة الصحية التي يفترض أن تحمي النساء الحوامل وأطفالهن"، واصفًا ما يجري بأنه "إبادة صحية".

ويعزو هذا التراجع إلى النزوح المتكرر، وفقدان الخصوصية، وسوء التغذية، وشح المياه الصالحة للشرب، والنقص الحاد في الفيتامينات والمكملات الغذائية، إلى جانب انهيار خدمات متابعة الحمل والرعاية الصحية.

"مستشفى ناصر يسجل يوميًا بين 8 و12 حالة إجهاض خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، إضافة إلى نحو 4 حالات يوميًا لنساء تتراوح أعمار حملهن بين الشهر الثالث والسادس".

وتؤكد أخصائية النساء والتوليد في مستشفى ناصر، الدكتورة ريهام الأغا، أن الحرب رفعت بصورة غير مسبوقة معدلات الإجهاض والولادة المبكرة.

وتوضح لـ"نوى" أن المستشفى يسجل يوميًا بين ثماني واثنتي عشرة حالة إجهاض خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، إضافة إلى نحو أربع حالات يوميًا لنساء تتراوح أعمار حملهن بين الشهر الثالث والسادس.

كما تشير إلى ارتفاع حالات تشوه الأجنة، مرجعة ذلك إلى الانبعاثات الناتجة عن القصف، والتجويع، وسوء التغذية، وتلوث المياه.

من جانبه، يقول استشاري الولادة الدكتور غسان مسلم: "معاناة المرأة تبدأ حتى قبل حدوث الحمل، مع غياب الغذاء المتوازن والمكملات الأساسية، وفي مقدمتها حمض الفوليك، الضروري للوقاية من كثير من التشوهات الخلقية".

ويضيف: "الجنين يعتمد كليًا على المخزون الغذائي للأم، وأي نقص في الفيتامينات أو المعادن الأساسية ينعكس مباشرة على نموه وتكوين أعضائه، وقد يقود إلى تشوهات دائمة أو توقف نمو بعض الأعضاء".

ولا تقف المخاطر عند حدود سوء التغذية، فالنساء الحوامل يعشن تحت ضغوط نفسية وجسدية غير مسبوقة: خوفٌ دائم من القصف، وتعرض مستمر للغازات والانبعاثات، وإرهاق يفرضه النزوح المتكرر، ونوم متقطع داخل خيام لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ويحذر مسلم من أن هذه الظروف، إلى جانب انتشار الحشرات والقوارض وتراكم النفايات، ترفع احتمالات الإجهاض ومضاعفات الحمل، وتحول البيئة المحيطة بالحوامل إلى مصدر إضافي يهدد استمرار الحمل.

كاريكاتـــــير