الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في كل صباح، يقف المزارع الستيني أبو مازن على أطراف مزرعته في بلدة بديا غربي سلفيت، قبل أن يبدأ يومه بين أشجار الزيتون واللوز.
يتجه أولًا نحو أزهار الصبار والميرمية والزعتر البري، لا ليتفقدها فحسب، بل ليراقب زائرًا اعتاد أن يسبقه إلى الحقل.
"إذا رأيته أعرف أن الأرض ما تزال بخير"، يقول وهو يتابع طائرًا صغيرًا يتنقل بخفة بين الأزهار، يرتشف رحيقها قبل أن يتوارى سريعًا بين الأغصان.
ويستعيد أبو مازن زمنًا كانت فيه أسراب "عصفور الشمس" تملأ حدائق البيوت القديمة، وتبني أعشاشها المتدلية بين الأغصان من القش الناعم والألياف النباتية، في مشهد كان يلفت أنظار الصغار والكبار. أما اليوم، فيخبرنا بحسرة: "صرنا نفرح إذا وجدنا عشًا واحدًا أو اثنين (..) كلما اختفت الأزهار، اختفى معها الطائر".
ذلك الزائر الصغير هو عصفور الشمس الفلسطيني؛ أكثر الطيور التصاقًا بالنباتات البرية في فلسطين، والطائر الوحيد الذي يحمل اسمها عالميًا، لكنه رغم خفة جناحيه، يخوض اليوم معركة أكبر منه.. معركة لا تدور في السماء، بل على الأرض، حيث تتسع المستوطنات، وتمتد الطرق الالتفافية، وتلتهم الحرائق الغطاء النباتي، فيما تضيق المساحات التي اعتاد أن يحلق فيها منذ عقود.
عصفور الشمس الفلسطيني أحد أبرز رموز التنوع الحيوي، وقد اعتُمد طائرًا وطنيًا عام 2015م، لكونه الطائر الوحيد المرتبط باسم فلسطين على المستوى العالمي.
يقول المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية، عماد الأطرش: "عصفور الشمس الفلسطيني ليس مجرد طائر محلي، بل أحد أبرز رموز التنوع الحيوي الفلسطيني، وقد اعتُمد طائرًا وطنيًا عام 2015م، لكونه الطائر الوحيد المرتبط باسم فلسطين على المستوى العالمي".
ويضيف: "هذا الطائر، الذي يتراوح طوله بين 10 و12 سنتيمترًا ولا يتجاوز وزنه تسعة غرامات، يعتمد في غذائه على رحيق الأزهار والحشرات الصغيرة، فيما خلدته وزارة الاتصالات الفلسطينية على طابع بريدي صدر عام 2000م، بالتعاون مع جمعية الحياة البرية.
غير أن البيئة التي يعتمد عليها في البقاء تتآكل عامًا بعد آخر، عن ذلك ويقول الخبير البيئي الدكتور وليد الباشا: "إن عصفور الشمس لا يحتاج إلى محميات مغلقة بقدر حاجته إلى مشهد طبيعي متصل، تنتشر فيه النباتات البرية والأشجار المزهرة، وعندما تتحول هذه البيئات إلى جزر معزولة بفعل التجريف والطرق والاستيطان، يصبح بقاؤه أكثر صعوبة".
ولا يقتصر حضوره، بحسب الباشا، على كونه جزءًا من التنوع الحيوي، بل يعد مؤشرًا لصحة النظام البيئي؛ فحيث يوجد عصفور الشمس تكون البيئة أكثر توازنًا، وحين تتراجع أعداده، فذلك يعني أن خللًا أصاب مكونات المكان.
ويصف الباحث وخبير الطيور البرية طلال بني عودة عصفور الشمس بأنه طائر صغير ذو منقار طويل مقوس إلى الأسفل، صُمم ليصل إلى أعماق الأزهار، ويستطيع التحليق ثابتًا أمامها لثوانٍ أثناء امتصاص الرحيق.
ويتميز الذكر منه بريش أسود تتخلله لمعات زرقاء معدنية، بينما يغلب اللون الرمادي على الأنثى.
لكن دوره لا يقتصر على جماله؛ إذ يسهم في نقل حبوب اللقاح بين الأزهار، ويؤدي دورًا أساسيًا في تلقيح النباتات واستمرار تكاثرها، ما يجعله جزءًا من دورة الحياة الطبيعية في البيئة الفلسطينية.
ويرجع بني عودة تراجع أعداده إلى تدهور موائله الطبيعية، إلى جانب انتشار طائر المينا الغازي الذي يفترس البيوض والفراخ، ويدمر الأعشاش، وينافسه على الغذاء وأماكن التعشيش.
كما يؤثر ضجيج الطرق الالتفافية في تكاثره واستقراره، فيما أدى استيلاء المستوطنين على عدد كبير من عيون المياه وتحويلها إلى مواقع ترفيهية إلى تقليص البيئات المناسبة لوجوده.
ويلخص احتياجاته بجملة بسيطة: "أينما وجد الرحيق وجد العصفور، لكن الماء، والهدوء، والأماكن الآمنة لبناء الأعشاش، هي ما يضمن بقاءه".
ولا تقف معركة عصفور الشمس عند حدود البيئة، بل تمتد إلى اسمه أيضًا.
فبحسب بني عودة، تجاوز الجدل حول الطائر الجوانب العلمية، ليصبح جزءًا من الصراع على هوية المكان، إذ تستخدم الأدبيات الإسرائيلية الخاصة بمراقبة الطيور غالبًا اسم Orange-tufted Sunbird، مقابل تراجع استخدام الاسم الأقدم Palestine Sunbird، فيما تتعامل بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية معه بوصفه جزءًا من التنوع الحيوي المحلي، دون الإشارة إلى ارتباطه بفلسطين.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث الفلسطيني في التنوع الحيوي الدكتور نورمان علي خلف، في عدد من منشوراته العلمية، أن استبدال اسم Palestine Sunbird ليس مجرد تغيير اصطلاحي، بل محاولة لإزاحة الاسم الذي ارتبط بالطائر في عدد من المراجع العلمية، وإضعاف حضوره بوصفه أحد الرموز الطبيعية المرتبطة بفلسطين.
ولا يقتصر أثر الاستيطان على مصادرة الأراضي، بل يعيد تشكيل المشهد البيئي بأكمله، فالطرق الجديدة تقطع التواصل بين الموائل الطبيعية، والجدران والأسوار تعزلها عن بعضها، فيما يؤدي التجريف وإزالة الغطاء النباتي إلى اختفاء النباتات التي يعتمد عليها الطائر في غذائه وتكاثره.
استبدال اسم Palestine Sunbird محاولة لإزاحة الاسم الذي ارتبط بالطائر في عدد من المراجع العلمية، وإضعاف حضوره بوصفه أحد الرموز الطبيعية المرتبطة بفلسطين.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أتت الحرائق التي أشعلها مستوطنون على آلاف الدونمات من الغابات والمراعي والحقول في الضفة الغربية، تاركة وراءها مساحات واسعة من الرماد.
وبينما تنشغل الأنظار غالبًا بالأشجار والمحاصيل التي التهمتها النيران، تبقى الكائنات الصغيرة، وفي مقدمتها عصفور الشمس الفلسطيني، الخاسر الأقل ظهورًا.
فالعش الذي يحترق لا يعوض بسهولة، والنباتات التي يتغذى عليها تحتاج سنوات حتى تستعيد حياتها، وحين يغيب عصفور الشمس عن الحقول، لا يفقد الفلسطيني طائرًا جميلًا فحسب، بل يفقد جزءًا من ذاكرة المكان.
























