شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 15 يوليو 2026م18:16 بتوقيت القدس

9300 إصابة خلال أسبوعين..

جدري الماء يفتك بأطفال غزة

15 يوليو 2026 - 16:49

قطاع غزة:

بقطعة صغيرة من الكرتون، تحاول أم جواد السوسي التخفيف عن طفلتها أشجان (13 عامًا) من لهيب الحرارة داخل خيمة النزوح الخانقة، لكن دون جدوى؛ إذ تزيد حرارة الخيمة من التهاب فقاعات جدري الماء التي غطت جسدها النحيل، لتجد الطفلة نفسها عالقة بين قسوة المرض وظروف النزوح.

في أحد مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، تعيش الأسرة، المكونة من تسعة أفراد، داخل خيمة واحدة. تقول أم جواد: "الخيمة شديدة الحرارة، والمخيم مكتظ بالنازحين. أُصيب عدد من الأطفال بجدري الماء قبل أن تنتقل العدوى إلى طفلتي أشجان. أُصيب إخوتها أيضًا، لكنها كانت الأكثر معاناة بسبب ضعف مناعتها ومعاناتها من سوء التغذية".

وأشجان واحدة من 9300 طفلة وطفل أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إصابتهم بجدري الماء في قطاع غزة خلال أسبوعين فقط، وسط تحذيرات من استمرار تفشي المرض بسبب الاكتظاظ في مراكز الإيواء، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، ونقص مستلزمات النظافة الشخصية، والارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

بدأت معاناة أشجان قبل نحو شهر بأعراض من الهزال والإسهال، ثم بدأت بثور مائية بالظهور على جسدها، وسرعان ما انتشرت حتى وصلت إلى عينيها وأذنيها. ومع الحكة الشديدة التي كانت تدفعها إلى الصراخ باستمرار، زادت حرارة الخيمة من التهاب جلدها، فتدهورت حالتها تدريجيًا، وتورم وجهها، وبدا الطفح، بحسب والدتها، أشبه بالحروق.

تروي أم جواد: "بعد نحو خمسة عشر يومًا من المرض، ساعدنا بعض المتبرعين في توفير العلاج بعد انتشار صور أشجان عبر الإنترنت، واضطررت إلى بيع بعض مقتنياتنا الشخصية لتأمين الدواء، بينما لاحظت منذ يومين انتشار الفقاعات نفسها على جسد شقيقها الرضيع".

وتضيف: "لا يمكن عزل طفلة مصابة داخل الخيمة، ولم نستطع توفير العلاج في الوقت المناسب بسبب الفقر، كما نعجز عن الحفاظ على النظافة الشخصية أو منع اختلاط الأطفال، وأحيانًا لا نعرف مصدر المياه أو مدى صلاحيتها، وهذه ظروف مثالية لانتقال العدوى، بينما نعجز عن حماية أطفالنا".

في مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال، حيث استقبل القسم أربعة أطفال بعد تدهور حالاتهم الصحية، يتابع استشاري طب الأطفال ورئيس قسم الأطفال، الدكتور شريف مطر، تزايد إصابات جدري الماء في قطاع غزة، محذرًا من أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بكثير من الإحصاءات المعلنة، لأن معظم الأطفال يتعافون داخل الخيام دون الوصول إلى المستشفيات.

ويؤكد مطر أن جدري الماء مرض فيروسي سريع الانتشار، إلا أن ظروف الحرب جعلت تفشيه هذا العام غير مسبوق، بعد تكدس نحو 1.5 مليون شخص داخل مساحة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع.

ويتزامن انتشار المرض مع اكتظاظ شديد وارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام إلى نحو 47 درجة مئوية، إلى جانب نقص المياه النظيفة وتردي خدمات الصرف الصحي، وهي عوامل وفرت بيئة مثالية لانتقال العدوى.

ويشير إلى أن الصيف تحول إلى أكثر الفصول خطورة على الأطفال، مع انتشار أمراض جلدية عدة، مثل الجرب والقوباء، وانضمام جدري الماء إليها هذا العام.

ورغم أن أكثر من 90% من الإصابات تكون بسيطة ولا تحتاج سوى إلى علاج داعم، فإن بعض الحالات قد تتطور إلى مضاعفات خطيرة، مثل الالتهابات البكتيرية، أو التهاب الدماغ والمخيخ. ويوضح الطبيب أن المستشفى استقبل بالفعل أربعة أطفال عانوا من هذه المضاعفات.

ويضيف مطر أن السيطرة على المرض تكاد تكون مستحيلة في بيئة النزوح، لأن المصاب ينقل العدوى قبل ظهور الطفح الجلدي ويستمر في نقلها حتى جفاف البثور، بينما يستحيل عمليًا عزل الأطفال داخل الخيام المكتظة.

وينبه إلى أن لقاح جدري الماء غير متوفر في القطاع، كما أنه ليس ضمن برنامج التطعيم الوطني، الأمر الذي يزيد من قابلية الأطفال للإصابة بالمرض.

داخل مستشفى الرنتيسي، تتابع السيدة أسماء دردونة حالة طفلتها ديما (9 سنوات)، التي أُدخلت إلى المستشفى بعد انتشار جدري الماء على جسدها وتفاقم أعراضها، ما استدعى إخضاعها للمراقبة الطبية.

وتروي أسماء أن معاناة الأسرة بدأت قبل نحو عشرين يومًا، بعد إصابة ابنها الأكبر برصاصة طائشة، ما اضطره إلى المكوث في المستشفى ثمانية أيام، قبل أن يُصاب لاحقًا بجدري الماء. وبعد تلقيه حقنة علاجية في مركز الإيواء، تعافى خلال أربعة أيام، لكن العدوى سرعان ما انتقلت إلى شقيقته ديما.

وتقول إن ديما بدأت تعاني من الإسهال وارتفاع الحرارة والإرهاق الشديد، ثم ظهرت الفقاعات على أنحاء جسدها. وتلقت دواءً مضادًا للحساسية وعلاجًا موضعيًا، لكنها بقيت في المستشفى للمتابعة، ثم أُصيب شقيقها الثاني، البالغ من العمر 16 عامًا، لينتقل المرض بين أبنائها الأربعة واحدًا تلو الآخر.

وتضيف أن حالة ديما كانت أكثر تعقيدًا بسبب معاناتها السابقة من التهابات شديدة في المسالك البولية، إذ أظهرت الفحوصات استمرار الالتهاب، وواصلت تلقي العلاج حتى بعد إصابتها بجدري الماء.

وتتابع: "قرر الأطباء إدخالها إلى المستشفى خشية حدوث مضاعفات أو انتقال العدوى، كما بقيت هناك لأن شقيقها كان مصابًا أيضًا".

وتعيش عائلة ديما داخل مدرسة تحولت إلى مركز إيواء يضم آلاف النازحين، في ظروف تفتقر إلى مقومات الوقاية، حيث يصعب الحفاظ على النظافة أو عزل المصابين بسبب الاكتظاظ الشديد.

وتزيد أسماء: "لا توجد مراوح رغم الحرارة المرتفعة، وخلف المدرسة توجد مياه صرف صحي ومكبات للنفايات، وقد تكون المياه التي نحصل عليها سببًا آخر للمرض، فنحن لا نعرف مصدرها ولا مدى سلامتها"

أما ديما، فتختتم واصفة معاناتها: "أعاني من حكة شديدة وألم، وأصرخ من شدة التعب والوجع، وحرارتي مرتفعة، وأشعر بإرهاق مستمر. المكان الذي نعيش فيه تحيط به مياه الصرف الصحي، وكل ما أتمناه أن أتحسن".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير