شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026م18:06 بتوقيت القدس

القطاع الذي كان يطعم غزة.. توقف عن النبض!

14 يوليو 2026 - 17:07

قطاع غزة:

"أتذكر عندما كنا نشتري كرتونة البيض بعشرة شواكل؟"، قال رجل لصاحب بقالة في وسط مدينة غزة، وهو يتحسس كرتونة بيض أخيرة بقيت على الرف، ابتسم الآخر بمرارة وأجاب: "اليوم أصبح البيض رفاهية، وحتى الدجاج الذي كان يملأ المزارع اختفى".. ليجيبه الأخير "اشتقت أشوف دجاج حي يا رجل! كدنا ننسى شكله".

قطاع إنتاجي كامل توقفت نبضاته، وهذا تمامًا ما حدث في قطاع غزة، فلم يكن اختفاء البيض من الأسواق وارتفاع أسعاره نتيجة نقص محدود في المعروض لفترة ما تحت وطأة الإبادة والحصار الإسرائيلي والتجويع الممنهج للسكان، بل انعكاسًا لانهيار منظومة الإنتاج الزراعي والحيواني.

ووفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، كانت غزة تحقق قبل الحرب اكتفاءًا ذاتيًا إلى حد كبير من البيض ولحوم الدواجن، قبل أن تعصف الحرب بالمزارع والفقاسات، وتقطع سلاسل الإمداد، فتتوقف دورة الإنتاج من بدايتها.

يقول هنا الطبيب البيطري أحمد ثابت، إن الأزمة تبدأ من البيض المخصب، الذي يمثل الحلقة الأولى في إنتاج الدواجن، موضحًا أن غيابه يعني توقف الفقاسات، ثم المزارع، وصولًا إلى اختفاء الدجاج والبيض من الأسواق.

ويضيف أن البيض المخصب ليس مجرد سلعة زراعية، بل أساس استمرار قطاع كامل يعتمد عليه آلاف العاملين.

ويشير ثابت إلى أن قطاع غزة كان يضم قبل الحرب نحو 18 فقاسة موزعة على مختلف المحافظات، كانت تنتج قرابة مليوني طائر سنويًا، وهو ما وفر اكتفاءً ذاتيًا من لحوم الدواجن وبيض المائدة، لكن الحرب قلصت عدد الفقاسات العاملة إلى أربع فقط، بعدما مُنع إدخال البيض المخصب بشكل كامل منذ اندلاعها.

ويتابع أن محاولة محدودة لإدخال كميات من البيض المخصب قبل أشهر لم تنجح في إعادة تشغيل القطاع، بسبب محدودية الكميات وانخفاض نسب التفقيس، فيما أدى استمرار إغلاق المعابر من قبل الاحتلال وتعطل وصول مدخلات الإنتاج إلى توقف شبه كامل لدورة تربية الدواجن داخل القطاع.

وتعكس أرقام الفاو حجم هذا الانهيار؛ إذ تشير إلى أن صناعة الدواجن التجارية في غزة توقفت إلى حد كبير، ولم يتبق سوى نحو واحد بالمئة من الدواجن على قيد الحياة، بعدما دُمرت المزارع ونفقت أعداد هائلة من الطيور نتيجة القصف ونقص الأعلاف والمياه والأدوية البيطرية.

المربي أشرف علي سلمان عاش هذا التحول على أرض الواقع، إذ يقول إن المزارع كانت تعمل ضمن منظومة متكاملة تبدأ بوصول البيض المخصب إلى الفقاسات، ثم تربية الصيصان داخل الحظائر، قبل أن تصل الدواجن إلى الأسواق المحلية، لتوفر الغذاء وفرص العمل لعشرات العائلات.

ويؤكد أن الحرب دمرت أجزاء واسعة من المزارع، وقطعت الكهرباء والمياه، وأوقفت وصول الأعلاف والأدوية البيطرية، ما تسبب في نفوق أعداد كبيرة من الدواجن وتوقف الإنتاج بالكامل تقريبًا، ولم تتوقف الخسائر عند المزارع، بل امتدت إلى العمال الذين فقدوا مصادر دخلهم بعد انهيار هذا القطاع.

ويوضح سلمان أن إعادة تشغيل المزارع لا ترتبط بإعادة بناء الحظائر فقط، بل تبدأ بالسماح بإدخال البيض المخصب، إلى جانب الأعلاف واللقاحات والأدوية البيطرية ومستلزمات الإنتاج، لأن أي نقص في هذه السلسلة يعني استمرار توقف دورة الإنتاج.

أما المزارع محمد سلامة القريناوي، فيستذكر الأيام التي كانت فيها الدواجن البلدية جزءًا من الحياة اليومية في الريف الغزي، ويقول إن المزارعين كانوا يعتمدون على إنتاجهم المحلي، بدءًا من زراعة الأعلاف وحتى تربية الدجاج، ضمن دورة إنتاج متكاملة وفرت الغذاء والدخل لعائلات كثيرة.

ويكمل أن الحرب أنهت هذه المنظومة بالكامل، بعدما نفقت أعداد كبيرة من الدواجن والصيصان بسبب نقص الغذاء والمياه والرعاية البيطرية، فيما تعرضت مزارع كثيرة للتدمير، لتضيع معها سنوات طويلة من العمل والاستثمار، ويصبح استئناف الإنتاج مرهونًا بعودة مستلزمات الإنتاج الأساسية، وفي مقدمتها البيض المخصب.

ويرى مختصون أن إعادة إحياء قطاع الدواجن لن تتحقق إلا بإعادة تشغيل الفقاسات، والسماح بإدخال البيض المخصب والأعلاف والأدوية البيطرية، باعتبارها الخطوة الأولى لاستعادة الإنتاج المحلي، وتخفيف أزمة الغذاء التي تتفاقم يومًا بعد آخر في قطاع غزة.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن القطاع الزراعي كان يشكل نحو 10% من اقتصاد غزة قبل الحرب، فيما اعتمد أكثر من 560 ألف شخص كليًا أو جزئيًا على الزراعة والإنتاج الحيواني كمصدر للرزق، ما يجعل انهياره أزمة اقتصادية وغذائية في آن واحد.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير