شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026م17:35 بتوقيت القدس

بلا دواء محلي.. حين يصبح الأنين في غزة بلا مسكّن

14 يوليو 2026 - 16:20

قطاع غزة:

وقفت سيدة أمام رفوف صيدلية بمدينة غزة، تُقلّب وصفةً طبية بين يديها، بينما تبحث بعينيها عن علبة اعتادت شراءها كلما اشتد الألم، لم يكن الرف خاليًا تمامًا، لكن الدواء الذي تعرفه اختفى.

"هذا الدواء نفد.. كان يُصنع هنا في غزة" وبهذه العبارة، أجابتها الصيدلانية دينا الغزالي قبل أن تشرح لها أن الخيار الوحيد المتبقي هو دواء بديل، أقل ملاءمة لحالتها، وأعلى ثمنًا مما اعتادت دفعه، أخذته المرأة على مضض وغادرت، فيما بقي السؤال قائمًا: ماذا يعني أن يفقد مجتمعٌ بأكمله القدرة على إنتاج دوائه؟

تقول الغزالي لـ"نوى" إنهم قبل حرب الإبادة كانوا يعتمدون بدرجة كبيرة على الإنتاج المحلي إلى جانب شركات أخرى كانت توفر المضادات الحيوية، ومسكنات الألم، وأدوية المعدة والسعال، ومضادات الحساسية، والمطهرات والمراهم الجلدية.

وبحسب الصيدلانية، كانت هذه الأدوية متوفرة باستمرار، وأسعارها مناسبة، وتشكل جزءًا أساسيًا من مخزون كل صيدلية في القطاع.

وتشير إلى الرفوف التي فرغت من عشرات الأصناف، وتعلق: "مع تدمير الاحتلال مصانع الأدوية، لم نخسر المباني فقط، بل خسر المرضى مصدرًا مهمًا للعلاج، خصوصًا الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والتنفسية، حتى وصلنا اليوم إلى نقص حاد في أصناف دوائية كثيرة".

قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، كان قطاع غزة يضم خمسة مصانع دوائية؛ ثلاثة لإنتاج الأدوية البشرية هي شركة الشرق الأوسط للصناعات الدوائية، والشركة العربية الألمانية للصناعات الدوائية، وشركة إليكس فارما، إضافة إلى مصنعين لإنتاج الأدوية البيطرية، وقد تعرضت جميعها للتدمير خلال الحرب.

وتوضح الغزالي أن وجود هذه المصانع منح القطاع الصحي هامشًا من الاستقلالية في مواجهة الأزمات، خاصة مع الحصار وإغلاق المعابر، قائلة: "الإنتاج المحلي كان يختصر زمن وصول الدواء، ويمنحنا مرونة في تلبية الاحتياجات العاجلة، أما اليوم فأصبح القطاع يعتمد بصورة شبه كاملة على مصادر خارجية يصعب وصولها بسبب القيود والإغلاقات".

وتتابع: "في كثير من الأحيان نضطر إلى صرف بدائل تختلف في الاسم التجاري أو الشكل الصيدلاني، لكن المشكلة أن هذه البدائل نفسها لا تتوفر بصورة منتظمة، ما يربك علاج المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة. وأصعب ما نواجهه هو إبلاغ المريض بأن دواءه غير متوفر".

أما الصيدلانية أسيل عبد اللطيف، فتستعيد مشاهد زياراتها السابقة إلى أحد مصانع الدواء، قائلة: "كان المصنع يعج بأصوات الآلات والعاملين، وخطوط إنتاج مسكنات الألم والمضادات الحيوية، ومستودعات مجهزة لحفظ الأدوية وفق المعايير المطلوبة، واليوم تحول كل ذلك إلى ركام".

وتضيف: "لم أتخيل يومًا أن أعجز عن توفير مسكن (كاتمول) المصنع محليًا، والذي كان يباع بنحو خمسة شواكل فقط، وأضطر إلى صرف بديله المصري(ALEXAMOL) بسعر يقارب ثلاثة أضعاف".

وتنبه إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على توقف التصنيع المحلي، بل تمتد إلى صعوبة إدخال كثير من الأدوية من خارج القطاع، فوفق حديثها هناك أدوية كانت تصل بسهولة أكبر قبل الحرب، أما اليوم فيبحثون باستمرار عن بدائل لا ترضي المرضى، لا من حيث السعر ولا من حيث النتيجة العلاجية.

ولا يقتصر أثر هذا الواقع على الصيدليات، بل يمتد إلى المرضى الذين يضطر كثير منهم إلى تغيير أدويتهم أكثر من مرة، أو شراء بدائل أعلى ثمنًا، أو تأجيل العلاج أصلًا بسبب عدم توفر الأصناف التي اعتادوا استخدامها.

ويؤكد نائب نقيب صيادلة فلسطين، الدكتور سميح أبو حبل، أن مصانع الأدوية كانت تشكل إحدى أهم ركائز الأمن الدوائي في قطاع غزة، إذ وفرت جزءًا مهمًا من احتياجات السوق المحلي، وخففت الاعتماد على الاستيراد، وأسهمت في استقرار الإمدادات الدوائية رغم سنوات الحصار.

يتحدث لـ"نوى" أن تدمير الاحتلال لقطاع الصناعات الدوائية ألحق أضرارًا واسعة بالبنية الدوائية وسلاسل الإمداد، وفاقم أزمة نقص الأدوية بصورة غير مسبوقة.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، وصلت نسبة الأدوية الأساسية التي بلغت مستوى (صفر مخزون) إلى 43% خلال عام 2025، ثم ارتفعت لاحقًا إلى 51%، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة المستشفيات والصيدليات في توفير العلاج.

ويكمل أبو حبل، أن الصناعة المحلية لم تكن مجرد مصانع، بل عنصرًا أساسيًا في قدرة النظام الصحي على الصمود، محذرًا من أن استمرار غيابها يهدد علاج مرضى الأمراض المزمنة والسرطان وأمراض الدم وغسيل الكلى والطوارئ، كما يضعف قدرة القطاع الصحي على مواجهة أي أزمات مستقبلية.

ومع توقف الإنتاج المحلي، أصبحت المنظومة الصحية تعتمد بصورة شبه كاملة على الإمدادات الخارجية والمساعدات الإنسانية، وأصبح توفر الدواء مرتبطًا بالظروف السياسية واللوجستية أكثر من ارتباطه بالحاجة الصحية الفعلية.

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إنه لا توجد تقديرات رسمية مستقلة لحجم خسائر مصانع الأدوية وحدها، إلا أن تقرير التقييم المشترك الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي قدّر خسائر قطاع الصحة في غزة بنحو 6.8 مليارات دولار، وتشمل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصحية وسلاسل الإمداد والخدمات الطبية، بما فيها القطاع الدوائي.

ويضيف: "استهداف الصناعات الإنتاجية، ومنها الصناعة الدوائية، يهدف إلى إبقاء الاقتصاد في حالة تبعية، بحيث يعتمد القطاع على إدخال السلع عبر المعابر بدل امتلاك قدرة إنتاجية محلية".

ويشير إلى أن حجم الاستثمارات في الصناعة الدوائية قبل الحرب بلغ نحو 50 مليون دولار، مؤكدًا أن إعادة بناء هذا القطاع ستحتاج إلى تمويل مضاعف نتيجة حجم الدمار الذي لحق به، فضلًا عن إعادة تأهيل خطوط الإنتاج واستعادة الكوادر الفنية.

ومن المهم الإشارة إلى أن إعادة إعمار غزة لا تعني بناء المستشفيات فقط، بل إعادة بناء القدرة على إنتاج الدواء أيضًا، لأن الأمن الدوائي جزء من الأمن الصحي والاقتصادي، ومن دونه سيظل المرضى رهائن لنقص الإمدادات وتقلبات المعابر – بحسب أبو قمر-.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير