شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 24 يونيو 2026م15:00 بتوقيت القدس

الملوخية ترتدي ثوب الدخان وتهدد الصحة والأمن الغذائي

24 يونيو 2026 - 13:27

في أحد أسواق قطاع غزة، يقف الشاب وسيم البلعاوي (23 عاماً) منتظراً دوره لشراء ما يُعرف محلياً بـ"دخان الملوخية"، وهو بديل انتشر بين المدخنين خلال الإبادة الجماعية بعد الارتفاع غير المسبوق في أسعار السجائر وشحّها في الأسواق نتيجة استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول منتجات التبغ إلى القطاع.

سعر السيجارة الواحدة يتراوح بين 35 و40 شيكلاً، ما دفعه إلى تدخين أوراق الملوخية المجففة المضاف إليها النيكوتين، رغم إدراكه لمخاطرها الصحية.

يقول البلعاوي إن السجائر أصبحت سلعة بعيدة المنال بالنسبة لغالبية المدخنين، موضحاً أن سعر السيجارة الواحدة يتراوح بين 35 و40 شيكلاً، ما دفعه إلى تدخين أوراق الملوخية المجففة المضاف إليها النيكوتين، رغم إدراكه لمخاطرها الصحية.

ويضيف: "أعرف أنها مضرة، لكنها أصبحت الخيار الوحيد المتاح"، مشيراً إلى أنه بدأ يعاني من أعراض متكررة، أبرزها الصداع وضيق التنفس.

من جانبه، يعزو بائع الدخان محمد مطر، وهو نازح يقيم في مخيم النصيرات، انتشار هذه الظاهرة إلى الارتفاع الحاد في أسعار السجائر التقليدية، مؤكداً أن تدخين الأنواع المعروفة مثل "الكاريلا" و"الإمبيريال" بات مقتصراً على فئة محدودة من المقتدرين مالياً.

ويقول مطر إن سعر علبة السجائر يتراوح حالياً بين 250 و300 دولار، بعدما كانت تباع قبل الحرب بنحو 18 شيكل، الأمر الذي دفع أعداداً متزايدة من المدخنين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة.

ويوضح أن "دخان الملوخية" عبارة عن أوراق ملوخية مجففة تُضاف إليها مادة النيكوتين ليتم تدخينها كبديل للسجائر التقليدية، لافتاً إلى أن الإقبال عليها ازداد بشكل ملحوظ خلال الإبادة بسبب انخفاض سعرها مقارنة بالسجائر الأصلية.

أن حرق أوراق الملوخية واستنشاق الدخان الناتج عنها قد يؤدي إلى أضرار صحية خطيرة، موضحاً أن احتراق أي مادة عشبية ينتج مركبات مهيجة وسامة للجهاز التنفسي.

لكن هذا البديل لا يبدو أقل خطورة من الأزمة التي أوجدته. إذ يؤكد استشاري الأمراض الصدرية والباطنية في مجمع الشفاء الطبي، الدكتور أحمد الربيعي، أن حرق أوراق الملوخية واستنشاق الدخان الناتج عنها قد يؤدي إلى أضرار صحية خطيرة، موضحاً أن احتراق أي مادة عشبية ينتج مركبات مهيجة وسامة للجهاز التنفسي.

ويشير الربيعي، في حديثه لـ"نوى"، إلى زيادة ملحوظة في أعداد المراجعين الذين يعانون من مشكلات تنفسية مرتبطة باستنشاق هذا النوع من الدخان، من بينها التهابات الشعب الهوائية والالتهابات الرئوية والنوبات المتكررة من الانسداد الرئوي، إضافة إلى حالات الفشل التنفسي الحاد، ويحذر من أن آثار هذا الدخان لا تقتصر على الرئتين فحسب، بل تمتد إلى الجهاز القلبي الوعائي، حيث تسهم في رفع ضغط الدم وزيادة احتمالية الإصابة بالذبحة الصدرية ومضاعفات صحية أخرى.

حرق أوراق الملوخية يؤدي إلى عمليات احتراق وتحلل حراري لمكوناتها الطبيعية،ويحتوي على مركبات عضوية متطايرة قد تتسبب في تهيج الجهاز التنفسي، وترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة عند التعرض المستمر لها.

ويوضح أستاذ الكيمياء داوود أبو حزيمة أن حرق أوراق الملوخية يؤدي إلى عمليات تحلل حراري لمكوناتها الطبيعية، مثل السليلوز والسكريات والبروتينات، ما ينتج خليطاً من الغازات والجسيمات الدقيقة والمواد الناتجة عن الاحتراق غير الكامل.

ويبين أن هذا الدخان يحتوي على أول أكسيد الكربون والقطران والجسيمات الدقيقة ومركبات عضوية متطايرة قد تتسبب في تهيج الجهاز التنفسي، وترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة عند التعرض المستمر لها.

اختلاف دخان الملوخية عن السجائر التقليدية في بعض المكونات لا يعني أنه أقل ضرراً، وعملية الاحتراق بحد ذاتها تنتج مواد مؤذية للجسم

ويؤكد أبو حزيمة لـ"نوى" أن اختلاف دخان الملوخية عن السجائر التقليدية في بعض المكونات لا يعني أنه أقل ضرراً، مشدداً على أن عملية الاحتراق بحد ذاتها تنتج مواد مؤذية للجسم، وأنه لا توجد دراسات علمية تثبت سلامة استنشاق دخان أوراق الملوخية أو اعتباره بديلاً آمناً للتدخين.

ولم تتوقف الأضرار عند الجهاز التنفسي، بل امتدت لتشمل مرضى القلب وكبار السن. فبعد تدهور حالته الصحية، قصد زهير موسى (75 عاماً)، الذي يعاني من ضعف في عضلة القلب وخضع سابقاً لثلاث عمليات قسطرة، عيادة طبيب القلب الدكتور ماجد الشناط عقب استخدامه دخان الملوخية بديلاً للسجائر.

ويوضح الشناط لـ"نوى" أن استنشاق هذا النوع من الدخان يشكل خطراً كبيراً على مرضى القلب، إذ يقلل كمية الأكسجين الواصلة إلى الجسم ويزيد العبء الواقع على عضلة القلب.

ويضيف أن دخان الملوخية قد يؤدي إلى زيادة السعال وضيق التنفس لدى المرضى المصابين بقصور القلب أو ضعف عضلته، فيما تبقى فئة كبار السن الأكثر عرضة للمضاعفات بسبب تراجع كفاءة القلب والرئتين لديهم.

الملوخية، التي كانت تُعد من الأطعمة الشعبية المتاحة لمعظم الأسر، أصبحت سلعة باهظة الثمن لا تستطيع غالبية العائلات شراءها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الأمن الغذائي للأسر الفلسطينية، تقول المواطنة أم محمد التلي  إن أبناءها كانوا ينتظرون تناول الملوخية بعد غيابها لفترات طويلة عن موائد الكثير من العائلات، إلا أن ارتفاع أسعارها حرمهم من ذلك.

وتشير التلي لـ"نوى" إلى أن زيادة الطلب على أوراق الملوخية لاستخدامها في تصنيع الدخان، إلى جانب محدودية الكميات المتوفرة في الأسواق، أديا إلى ارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد إلى نحو 1000 شيكل.

وتضيف أن الملوخية، التي كانت تُعد من الأطعمة الشعبية المتاحة لمعظم الأسر، أصبحت سلعة باهظة الثمن لا تستطيع غالبية العائلات شراءها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن انتشار تدخين أوراق الملوخية يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها قطاع غزة في ظل الحصار وإغلاق المعابر.

ويؤكد أبو قمر لـ"نوى" أن النقص الحاد في السجائر وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق دفع المدخنين إلى البحث عن بدائل محلية أقل تكلفة، الأمر الذي ساهم في ظهور وانتشار دخان الملوخية.

ويشير إلى أن معدلات البطالة المرتفعة وتراجع الدخول وارتفاع أسعار السلع الأساسية دفعت المواطنين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم المعيشية، فيما جعلت طبيعة الإدمان كثيراً من المدخنين غير قادرين على الإقلاع عن التدخين، ما دفعهم إلى استخدام أي بديل متاح مهما كانت مخاطره.

كما يحذر من أن الإدمان قد يدفع بعض الأفراد إلى تخصيص جزء من دخل الأسرة المحدود لشراء الدخان على حساب الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي يفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية داخل الأسر.

من جهتها، تؤكد وزارة الزراعة أن الظاهرة بدأت تترك آثاراً واضحة على السوق الزراعي، ويقول المتحدث باسم الوزارة في قطاع غزة، أدهم البسيوني، إن استخدام أوراق الملوخية في صناعة سجائر بديلة أدى إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على المحصول، ما تسبب في انخفاض الكميات المخصصة للاستهلاك الغذائي وارتفاع أسعارها بشكل ملحوظ.

ويضيف البسيوني لـ"نوى" أن الوزارة رصدت خلال الفترة الأخيرة زيادة في شراء الملوخية لأغراض غير غذائية، الأمر الذي أحدث اختلالاً بين العرض والطلب، خاصة في ظل تراجع الإنتاج الزراعي بسبب الحرب وشح الموارد.

ويحذر البسيوني من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعارها، داعياً المواطنين إلى الحفاظ على الملوخية كمحصول غذائي مهم وعدم تحويلها إلى بدائل للتدخين.

وتكشف ظاهرة "سجائر الملوخية" عن سلسلة مترابطة من الأزمات التي يعيشها قطاع غزة؛ فشح السجائر وارتفاع أسعارها دفعا المدخنين إلى اللجوء إلى بدائل خطرة، بينما أدى انتشار هذه البدائل إلى أضرار صحية متزايدة وارتفاع أسعار محصول غذائي أساسي كانت تعتمد عليه آلاف الأسر في قطاع غزة،

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير