الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أفطرتُ على حاجز المربعة"، بدت العبارة خفيفةً على لسان نصر قادوس، لكنها حملت خلفها حكاية ثقيلة تختصر جانبًا من يوميات الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تختلط السخرية بالمرارة، ويغدو التندر وسيلةً لتخفيف قسوة واقعٍ يفرضه المرور المتكرر على حواجز الاحتلال، خصوصًا في شهر رمضان.
يقول قادوس، وهو من قرية عراق بورين جنوبي نابلس: "لا يوجد فلسطيني في الضفة الغربية لا يعرف قسوة حواجز الاحتلال وصعوبتها، فقد جربها الجميع. حتى إن قرار التنقل عبر طريقٍ يقطعه حاجز يحتاج إلى تفكير طويل وضرورة ملحّة".
ويضيف لـ"نوى": "هذه المعاناة تتضاعف في شهر رمضان، حيث يتعمد الجنود إذلال الفلسطينيين وتأخيرهم، وهم يعلمون أنهم صائمون ويرتبطون بوقت محدد للإفطار والإمساك".
خرج قادوس من قريته صباحًا متجهًا إلى مدينة نابلس في مهمة عمل سريعة، ولم يتوقع أن يتحول مشواره القصير إلى ساعات طويلة من الانتظار. يقول: "كان مشوارًا عاديًا، ولم أتخيل أنه سيمتد إلى هذا الحد".
الطريق، كما يروي، لم يكن بيد المسافرين، بل بمزاجية الجنود الذين أوقفوا المركبات فجأة أثناء عودتهم وبدأوا إجراءات تفتيش دقيقة وطويلة.
يمضي الوقت ببطء على الحاجز، حتى يدخل وقت الإفطار بينما المركبات متوقفة مكانها. يخبرنا قادوس: "لم يكن معي طعام أو شراب، لكن كثيرًا من المواطنين الذين يضطرون لعبور الحواجز يوميًا باتوا يحتاطون لمثل هذه اللحظات. اعتداءات الاحتلال وتضييقاته جعلتهم يتوقعون الأسوأ دائمًا، فيحملون معهم بعض الماء والتمر، وربما شيئًا بسيطًا من الطعام كالحُمّص أو العصير".
"المفارقة أن الحاجز لا يبعد عن منزلي سوى دقيقتين، لكنه حرمني من الإفطار مع عائلتي، كان هناك أيضًا عائلات وأطفال ونساء من مناطق بعيدة، وما يزال أمامهم طريق طويل للوصول إلى بيوتهم".
ويضيف: "كما هو معروف عن شعبنا، فهو شعب كريم ومتضامن، يتشارك المحتجزون ما تيسر لديهم ليكسروا صيامهم، وهكذا أفطرت يومها مع آخرين على حاجز المربعة جنوب نابلس".
يبتسم قليلًا ثم يستدرك بمرارة: "المفارقة أن الحاجز لا يبعد عن منزلي سوى دقيقتين، لكنه حرمني من الإفطار مع عائلتي، كان هناك أيضًا عائلات وأطفال ونساء من مناطق بعيدة، وما يزال أمامهم طريق طويل للوصول إلى بيوتهم".
حتى الحركة البسيطة خارج المركبات لم تكن خيارًا آمنًا، كما يوضح قادوس، إذ أن النزول وقت الإفطار قد يحمل خطرًا إضافيًا.
يعقب: "التحرك قرب الجنود محفوف بالخطر، ومن يستطيع النزول هو فقط من يكون بعيدًا عنهم".

لم تكن رحلة قادوس إلى نابلس أقل توترًا من طريق العودة، فخلال طريق الذهاب، اعترض أحد المستوطنين مركبات الفلسطينيين على الطريق المؤدي إلى قرية بورين، وأغلقه لبعض الوقت، ما اضطر السائقين إلى الانتظار وسط خوف وقلق من احتمال استخدام السلاح ضدهم، قبل أن يغادر المكان.
هذا الطريق نفسه يقطعه يوميًا أسامة صالح، وهو سائق عمومي من قرية الساوية جنوبي نابلس، يعمل على خط النقل بين نابلس ورام الله.
وبحكم عمله، عاش تجارب كثيرة مع الحواجز حتى باتت جزءًا من يومياته القاسية. يقول: "لم أعد أذكر عدد المرات التي منعتني فيها حواجز الاحتلال من الوصول إلى منزلي في وقت الإفطار خلال رمضان".
"نحن محتجزون داخل قريتنا بسبب إغلاق مدخلها، كما حدث في معظم القرى والبلدات في الضفة.. من يحاول الخروج يتم احتجازه ومصادرة مفاتيح مركبته".
ويضيف: "إغلاق الحاجز يعني ببساطة الانتظار، إذ لا توجد طرق بديلة يمكن سلوكها"، متابعًا: "عندما يُغلق الحاجز لا نستطيع العودة، ولا يوجد طريق آخر.. الخيار الوحيد هو الانتظار".
ويزيد: "أصبحَت الحواجز ساعات طويلة من إهدار الوقت والمال، وخسارة مباشرة في العمل"، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على الانتظار، بل يترافق مع إجراءات إذلال متكررة، إذ يقوم الجنود بإنزال الشبان من المركبات واحتجازهم بشكل متكرر.
وتزداد هذه المعاناة، كما يؤكد، في شهر رمضان، مردفًا بقوله: "اليوم نحن عمليًا لا نعمل، نحن محتجزون داخل قريتنا بسبب إغلاق مدخلها، كما حدث في معظم القرى والبلدات في الضفة منذ الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، ومن يحاول الخروج يتم احتجازه ومصادرة مفاتيح مركبته".

ولا تقتصر القيود على الحواجز العسكرية وحدها، إذ تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عدد الحواجز والبوابات الحديدية التي نصبها الاحتلال في الضفة الغربية بلغ 898 حاجزًا وبوابة، ومن بينها 18 بوابة حديدية نُصبت منذ بداية عام 2025م، إضافة إلى 146 أخرى أقيمت بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023م.
ومن بين أكثر الحواجز قسوة شرقي نابلس، حاجز بيت فوريك، الذي أُقيم منذ عام 2000م. وعلى مدى ستةٍ وعشرين عامًا، تحول هذا الحاجز إلى كابوس يومي لسكان المنطقة التي تضم بلدة بيت فوريك وقرية بيت دجن، ويبلغ عدد سكانها نحو 35 ألف نسمة لا طريق لهم للخروج سوى عبر هذا المعبر.
يقول رئيس بلدية بيت فوريك فارس نصاصرة في حديثه مع "نوى": "أبرز ما يواجهه المواطنون على الحواجز هو الانتظار القسري لساعات طويلة للوصول إلى أعمالهم أو جامعاتهم أو حتى بيوتهم".
"الحاجز شهد خلال رمضان إغلاقًا متواصلًا تراوح بين 26 و30 ساعة (..) كبار سن ومرضى كلى وسرطان، لم نتمكن من إجراء أي تنسيق لنقلهم إلى المستشفيات. كانوا صائمين".
ويضيف: "الحاجز شهد خلال شهر رمضان إغلاقًا متواصلًا تراوح بين 26 و30 ساعة"، متابعًا: "كان على الحاجز كبار في السن ومرضى كلى وسرطان، ولم نتمكن من إجراء أي تنسيق لنقلهم إلى المستشفيات طوال هذه المدة. المواطنون كانوا صائمين، ما جعل الوضع أكثر صعوبة".
ويشير إلى أن البلدية حاولت التخفيف من المعاناة قدر الإمكان عبر توفير المياه لمن ينتظرون على الحاجز، إضافة إلى إنشاء مرافق صحية عامة في المنطقة لخدمة العالقين.
وإلى جانب الحواجز العسكرية، تبرز البوابات الحديدية التي نصبها الاحتلال على مداخل القرى والبلدات الفلسطينية كوجه آخر من وجوه الحصار، وقد تصاعد استخدامها في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، خصوصًا خلال شهر رمضان، كما يوضح رئيس مجلس قروي رأس كركر غربي رام الله، مروان نوفل.
"شهر رمضان، الذي يشهد عادةً حركةً اقتصادية واجتماعية نشطة، فقدَ كثيرًا من خصوصيته تحت وطأة الإغلاق. "فالتزاور بين العائلات بات صعبًا، والأسواق التي كانت تضج بالحياة خفتت حركتها".
يقول نوفل: "الاحتلال أغلق مدخل القرية واحتجز نحو أربعة آلاف مواطن فيها، إضافة إلى سكان قرية الجانية المجاورة، منذ أسبوع كامل"، مضيفًا: "الإغلاق المتواصل منع دخول المواد التموينية والغاز والوقود إلى المنطقة".
ويتابع: "نحن في شهر رمضان، والطلب على الغذاء يزداد في هذا الشهر، لكن المحال التجارية داخل القرية بدأت تستنفد مخزونها. إضافة إلى ذلك، حُرم المواطنون من الوصول إلى أعمالهم ومصالحهم، فتوقفت معظم مظاهر الحياة".
ويشير إلى أن شهر رمضان، الذي يشهد عادةً حركةً اقتصادية واجتماعية نشطة، فقدَ كثيرًا من خصوصيته تحت وطأة الإغلاق. "فالتزاور بين العائلات بات صعبًا، والأسواق التي كانت تضج بالحياة خفتت حركتها بسبب الحواجز والبوابات" يكمل.
"الخطر الأكبر يتمثل في اعتداءات المستوطنين التي تترافق مع إغلاق هذه البوابات، من قطع الأشجار وملاحقة الأطفال في شوارع القرية واحتجازهم والتحقيق معهم".
لكن الخطر الأكبر -حسب نوفل- يتمثل في اعتداءات المستوطنين التي تترافق مع إغلاق هذه البوابات، من قطع الأشجار وملاحقة الأطفال في شوارع القرية واحتجازهم والتحقيق معهم.
ويختم حديثه بالقول: "نحن محاصرون ببوابة مغلقة واعتداءات جنود الاحتلال والمستوطنين، نعيش وضعًا قاسيًا للغاية.. إنه سجن حقيقي يُفتح ويُغلق بقرار من الاحتلال".
وبينما يجتمع كثير من الفلسطينيين حول موائد الإفطار في بيوتهم، يجد آخرون أنفسهم يفطرون على الحواجز أو ينتظرون ساعات طويلة خلف بواباتٍ مغلقة.
هناك، لا يُقاس الوقت بدقائق الانتظار فقط، بل بالمسافة التي تفصل الإنسان عن بيته، وبالوجبة التي كان يفترض أن يتقاسمها مع عائلته قبل أن يعترضها حاجز.
























