غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في صباحٍ ثقيلٍ من صباحات الحرب على غزة، وقف وليد زعرب يتأمل خلايا النحل الخاصة به كما لو كان يشيّع أبناءه. يقول الخمسيني بصوتٍ متهدّج: "موقفٌ صعبٌ جدًا. رأيتُ الخلايا تموت أمام عينيّ، وأنا عاجز عن إنقاذها".
أكثر من 160 خلية نحل كبيرة خسرها الرجل الذي أمضى عمره بين الصناديق الخشبية وطنين الشغالات، منذ كان شابًا يتعلّم أسرار المهنة خطوةً خطوة، قبل أن تفتك بها الحرب وتتركه وحيدًا في مواجهة الفراغ.
كان ينقل النحل كما ينقل خيمته، حتى جاء النزوح الأخير، ففرّ بعائلته وترك المناحل في مناطق خطرة، قبل أن تمتد إليها الجرافات فتجرفها كاملة، كأنها لم تكن.
قبل السابع من أكتوبر 2023م، كان زعرب يوزّع خلاياه في مناطق تتوافر فيها الأشجار والمراعي الطبيعية، يتنقّل بينها بعناية أبٍ يتفقد أبناءه، يطمئن إلى غذائها وصحتها، لكن الحرب لم تُبقِ بقعةً بمنأى عن القصف، فاضطر إلى نقل خلاياه من رفح إلى أماكن نزوحه، في رحلةٍ شاقة أثقلت كاهله بتكاليف نقلٍ باهظة وأعباءٍ لم يعرفها من قبل.
صار ينقل النحل كما ينقل خيمته، هربًا من موتٍ يلاحقه في كل اتجاه، حتى جاء النزوح الأخير، ففرّ بعائلته وترك المناحل في مناطق خطرة، قبل أن تمتد إليها الجرافات فتجرفها كاملة، كأنها لم تكن.
بمرارةٍ تفوق الاحتمال، يختصر الرجل علاقته بمهنته بوصفها "الدم الذي يجري في عروقه". لم تكن الخلايا مصدر دخلٍ فحسب، بل هويةً وحياةً كاملة، وحين سقطت، سقط معها جزءٌ منه لا يُستعاد.

ولم تتوقف الخسارة عند تدمير الصناديق الخشبية. كلما سأله أحد أطفاله عن العسل، شعر بطعنةٍ جديدة؛ لأنه لم يعد قادرًا على أن يضع على مائدتهم ما كان يومًا ثمرة تعبه.
فقدَ كل شيء، وبقي الحنين وحده شاهدًا على مهنةٍ ينتظر أن يعود إليها يومًا، ولو من رعاية خليةٍ واحدة تُحيي في قلبه من جديد معنى الاستمرار.
الأرقام بدورها لا تقل قسوةً عن الحكايات. فبحسب ورقة حقائق صادرة عن شبكة المنظمات الأهلية عام 2025م، دُمّر أكثر من (76%) من الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه النحل في التغذية، وفُقدت نحو 27 ألف خلية من أصل 30 ألفًا، أي ما يزيد على (90%) من الطاقة الإنتاجية للعسل. تراجَعَ الإنتاج السنوي من قرابة (250 طنًا) قبل الحرب إلى ما بين (20) و(25 طنًا) فقط.
فُقدت نحو 27 ألف خلية من أصل 30 ألفًا، أي ما يزيد على (90%) من الطاقة الإنتاجية للعسل. تراجَعَ الإنتاج السنوي من قرابة (250 طنًا) قبل الحرب إلى ما بين (20) و(25 طنًا) فقط.
هكذا تحوّل قطاعٌ كامل من مصدر وفرةٍ إلى شاهدٍ على انكماشٍ حاد، لا يمسّ النحالين وحدهم، بل يمسّ موائد الناس أيضًا.
وفي شمال غزة، كانت سمر البع، من بيت حانون، تدير مشروعها "مناحل الأصيل" بثقة امرأةٍ شقّت طريقها في مهنةٍ يهيمن عليها الرجال.
امتلكت (85) خلية نحل، وأدارت (350) دفيئة زراعية لزراعة نباتاتٍ طبية تُستخدم في تغذية النحل، مثل الاستيفيا كبديلٍ للسكر الأبيض، والزعتر، والبابونج.

لم يكن مشروعها تجاريًا فحسب، بل مساحة تمكينٍ لنساء درّبتهن على إدارة المناحل لإعالة أسرهن، ورسالةً اجتماعية كسرت صورةً نمطية راسخة في بلدةٍ محافظة.
تقول: "الحرب قضت على النحل منذ ساعاتها الأولى، فمنحلي يقع في منطقة حدودية. صُدمت حين علمت بتدميره الكامل، ولم أستطع حتى تفقده بسبب خطورة المكان".
تقدّر البُع خسائرها بنحو (75) ألف دولار، لكنها لم تتلقَّ أي دعم حتى الآن. فالنحل غير متوفر في غزة، والتمويل شحيح، والمعابر مغلقة، والأشجار جُرّفت، والمنطقة لم تعد صالحة لتربية النحل. سلسلةٌ من العوائق تجعل العودة أقرب إلى حلمٍ مؤجّل.
"لا أفكر في ترك المهنة؛ الحنين يشدّني كل يوم لإعادة المنحل، فهو إرث عن أبي الشهيد، لكنني اليوم لا أملك خليةً واحدة، والاحتلال يمنع إدخال النحل ومعدات".
أصعب لحظةٍ مرّت بها، كما تخبرنا، كانت سماع خبر تدمير الخلايا بعد أكثر من سبع سنوات من العمل المتواصل.
وتوضح أن النحل يمتلك حاسة الخوف، ومع القصف هجر الصناديق وابتعد عنها. ومع ذلك تؤكد: "لا أفكر في ترك المهنة؛ الحنين يشدّني كل يوم لإعادة المنحل، فهو إرث عن أبي الشهيد، لكنني اليوم لا أملك خليةً واحدة، والاحتلال يمنع إدخال النحل ومعداته، فضلًا عن غياب بيئةٍ مناسبة للتربية".
من جهته، يوضح إبراهيم ناجي الضبّة، رئيس الجمعية التعاونية للنحالين في غزة، أن عدد المنتسبين للجمعية يتجاوز 300 نحال ونحّالة.
"القطاع شهد تطورًا ملحوظًا قبل الحرب، وصُنّف نحالو غزة من بين الأفضل في المنطقة، وشاركوا في مؤتمرات بمصر وعُمان وتركيا، ومثّلوا فلسطين وحصدوا جوائز".
ويشير إلى أن القطاع شهد تطورًا ملحوظًا قبل الحرب، وصُنّف نحالو غزة من بين الأفضل في المنطقة، وشاركوا في مؤتمرات في مصر وعُمان وتركيا، ومثّلوا فلسطين وحصدوا جوائز. "كانت المهنة في صعودٍ لافت، قبل أن تنكسر فجأةً تحت وطأة القصف" يعقب.
قبل الحرب، بلغ عدد خلايا النحل في القطاع نحو (40 ألف) خلية، يعمل فيها أكثر من (800) نحال ونحّالة. اليوم تضرر القطاع بشكل شبه كامل، ودُمّر أكثر من (95%) من المناحل، خاصة تلك المحاذية للشريط الحدودي حيث المراعي.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار، عقدت الجمعية اجتماعات وتواصلت مع مؤسسات محلية ودولية، ووزارة الزراعة في رام الله، ومجلس العسل الفلسطيني، ومنظمة الفاو، واتحاد النحالين العرب، وقدمت طلبات لاستيراد النحل ومعداته وأدويته، غير أن جميعها رُفضت من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
"تدمير النحل لا يعني خسارة العسل فحسب، بل يُعد ضربة مباشرة لأساس الزراعة والأمن الغذائي في غزة. فالنحل هو الملقّح الأول للمحاصيل، وغيابه ينعكس على تلقيح الأشجار والخضروات".
ويؤكد الضبّة أن تدمير النحل لا يعني خسارة العسل فحسب، بل يُعد ضربة مباشرة لأساس الزراعة والأمن الغذائي في غزة. فالنحل هو الملقّح الأول للمحاصيل، وغيابه ينعكس على تلقيح الأشجار والخضروات، وعلى دورة إنتاجٍ كاملة تعتمد عليه بصمت.
ليست خسارة النحل اقتصاديةً فقط؛ إنها تهديد لرزق مئات النحالين وأسرهم، وضربٌ لقطاعاتٍ مرتبطة به من معداتٍ وشمعٍ وتغذيةٍ وتسويق.
مع تدمير النحل، تتآكل الزراعة تدريجيًا، وتنتقل الخسارة من نحّالٍ واحد إلى مجتمعٍ كامل. في غزة، لا يموت النحل وحده؛ تموت معه مواسم، وتذبل أشجار، ويخفت طنينٌ كان يومًا علامة خصبٍ وأمل.
























