الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في مدرسة "خربة يانون الأساسية"، جثمَ الصمت على قلوب أصحابها، بعد أن أُفرغت منهم أواخر ديسمبر/ كانون أول الماضي. فقبل أن تُوصد أبوابها، حملت شاحنةٌ صغيرة المقاعد وبعض المستلزمات، لكنها لم تتسع لحمل ذكريات المكان التي عاشها الطلبة والمعلمون بين أَروقتها.
على مر سنين طويلة، ذاقت الخربة المنكوبة الواقعة شمال شرقي بلدة عقربا قضاء نابلس، صنوفاً من المعاناة، جرّاء اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، إذ لم يجد سكانُ الخِربة مفراً من النزوح عنها. وما حدث لها من تهجيرٍ، كان حصيلةَ اعتداءاتٍ متراكمة امتدت أكثر من عقدين، وتصاعدت وتيرتها في الآونة الأخيرة، لتبقى خاويةً على عروشها.

وقد طال الطلبة والمعلمين، على حدٍ سواء، نصيبٌ وافر من هذه المضايقات، التي تنوعت بين تفتيش وترهيب وإطلاق رصاص، ناهيك عن سرقات المستوطنين للمنطقة.
التعليم سلاحٌ في الخِرب المهمّشة
يرى المعلم المتقاعد فوزي بني جابر خروجَ المرء مُجبراً من بيته ومدرسته كأنه خروجُ الروح من الجسد، "بل يكاد يكون أصعب من الموت"، حسب تعبيره.
عمل الأستاذ فوزي في "مدرسة يانون" عام 1984 معلّماً للغة العربية تحديداً للمرحلة الأساسية، وهو من سكان الخربة، وقد بدأ الزراعة فيها منذ كان فتىً عمره اثنى عشر عاماً.
يقول لـ "نوى": "درستُ في هذه المدرسة، ثم علّمت طلبتها عقب تخرجي وحتى تقاعدي قبل عقدٍ وأكثر من الزمان. نحن في "يانون" حريصون على التعليم، فمعظم السكان يحملون الشهادات الجامعية في تخصصات مختلفة، وكان ابن عمي هو أول من تخرج من كلية الطب في خربتنا، وقد تلقّى تعليمه في المدرسة ذاتها، لذا ندرك قيمةَ التعليم وأنه أفضلُ استثمارٍ لأبنائنا، ما يدعونا إلى التمسك باستمرار وجود مدرسة يانون".
يوم مغادرتها، جاشت مشاعر الطفل غيث أبو هنية ذو العشر أعوام، إذ يحكي لنا: "بكيتُ كثيراً في اليوم الذي تركت فيه مقعدي الدراسي قسراً، وكذلك زملائي. كم أشتاق لمدرستي، وللحاجة أم فواز الي كانت تبيعنا الحلوى اللذيذة".
ويضيف غيث الذي يدرس في الصف الخامس الأساسي: "نحب المدرسة، ونتوق للعودة لمقاعدها. كل صباحٍ فيها كان سعيداً، عندما ننطلق لأخذ دروسنا وممارسة الرياضة بنشاطٍ وحيوية".
فيما يعقّب والده خضر، وهو أيضاً أحد طلبة المدرسة السابقين: "لدي ولدان يدرسان فيها، شعرتُ بالقهر لحزنهما على الرحيل منها. لهذه المدرسة فضلٌ عظيم على أجيالٍ من المتفوقين المتميزين في كل المجالات. نؤمن أن العلم سلاحنا الأقوى لمواجهة التحديات لا سيما في الخِرب المهمّشة التي تقع فيها اعتداءات الاحتلال يومياً"، مبدياً استعداده التام للتبرع بأرضٍ في "يانون التحتا" لتُبنى المدرسة عليها من جديد.
جهودٌ لبناء "يانون" أخرى
يبلغ عدد طلبة مدرسة يانون المُهجرّة 14 طالباً، الذين اضطروا للجوء لبلدة "عقربا" المجاورة للخربة، متخذين من قاعة بلديتها ملاذاً للتعليم، وتحت المسمى نفسه "مدرسة يانون الأساسية المختلطة"، حيث اُفتتح العام الدراسي فيها، وفقاً لما أفادَ به، أيمن أبو شهاب مدير المدرسة.
وبدوره، قال لـ"شبكة نوى": "انطلاقاً من إصرار مديرية التربية والتعليم في نابلس على عدم انقطاع هؤلاء الطلبة عن تعليمهم، وفرّت لنا بلدية عقربا مقراً مؤقتاً، وقد اِرتأينا أن هذا الخيار ملائمٌ أكثر من توزيع الطلبة على مدارس أخرى، وذلك إلى حين بناء مدرسةٍ لهم في "يانون التحتا"، التي تندرج تحت ما يُعرف بــ "المنطقة ب" التي تفرض سلطات الاحتلال سيطرةً أمنية عليها، وما زال يتواجد فيها عددٌ من السكان".
"مدرسةٌ تاريخية" أنسبُ وصفٍ يجده أبو شهاب للمدرسة التي أُسّست عام 1970، وعلّمت وربّت أجيالاً متعاقبة. وعن شعوره عندما جاء أمرُ إخلاء المدرسة، لا سيّما أنه يعمل مديراً لها منذ خمسة عشر عاماً في الخِربة، يبوح بما في قلبه: "الأمر ليس بهيّن، غصةٌ لا تفارقنا جميعاً، معلمين وطلبة، وإذا ما سألتِ أيَّ طالبٍ عن رأيه بالمقر الجديد، ستكون إجابته قاطعة: "نريد العودة إلى مدرستنا في يانون".
ويفتقد هدوء وجمال "بلدة يانون"، ويزيد بالقول: "ارتباطنا الوجداني بها أقوى من علاقتنا المهنية". وفي المقابل، ليس من المسموح لنا الاستسلام، مصلحة طلبتنا تقتضي منا إيجادَ طريقةٍ لانتظام الدوام واستمرار العملية التعليمية في أيّ ظرفٍ ومكان.
الأولوية لحماية الطلبة
تُقسّم يانون إلى قسمين: خربة "يانون الفوقا" وتُصنّف وفق "اتفاق أوسلو" منطقة "ج"، و"يانون التحتا" تُصّنف منطقة "ب". يقول صلاح الدين جابر، رئيس بلدية عقربا، إن "خربة يانون" تقلّصت على مر سنواتٍ طويلة جراء تضييق الاحتلال وتعديات الاستيطان على المنطقة، حيث تبقّى أربع عائلات فحسب، إضافةً إلى المدرسة، التي أُخليت تماماً قبل أَزيَد من شهر.
وتبعاً لحديث جابر، تواصلت البلدية مع وزير التربية والتعليم، واتفقا على احتواء طلاب المدرسة في بلدة عقربا لمدةٍ تتفاوت من 3 إلى 4 شهور، إلى حين البدء في بناء مدرسةٍ في "يانون التحتا"، مؤكداً أنه في غضون الأيام القادمة ستُتخذ خطواتٌ عملية في هذا الصدد.
رئيس البلدية أيضاً، هو واحد من طلاب المدرسة القدامى، ما يدعوه للتمسك بما يُعدّه "التزاماً وطنياً وأخلاقياً، لبناء المدرسة من جديد". وأبدى تقديرَه للارتباط العاطفي من الطلبة والأهالي والمعلمين، ما يستوجب المسارعةَ إلى إحياء حلمٍ لن يموت، وإنقاذِ مدرسةٍ عمرها تجاوزَ نصفَ قرن، والكلام له.
وللعلم، نُقلت المدرسة إبّان الانتفاضة الأولى من يانون "التحتا" إلى "الفوقا". واليوم، تُبذل الجهود لنقلها إلى "يانون التحتا، لحماية الطلبة وضمان سلامتهم، مؤكدًا في ختام حديثه: "يانون" في نظرنا ليست أجزاءً، بل وحدةً واحدة، وما يهمنا وجودَ مَرافق في المنطقة من مسجدٍ ومدرسة وعيادة صحية، لحماية تاريخها ودعم صمودها.
























