شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م20:52 بتوقيت القدس

نفاد البطاريات يغرقهم في المعاناة أكثر..

فاقدو السمع بغزة.. عامان من العُزلة!

05 فبراير 2026 - 12:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في قطاع غزة، يعيش "فاقدو السمع" حربَهم الخاصة بصمتٍ مطبق، فلا يسمعون القصف ولا تحذيرات الخطر، ولا حتى أصوات أحبّتهم وهم يحاولون حمايتهم. ومع انقطاع الكهرباء، وشحّ البطاريات، وتدمير المراكز الصحية، تحوَّل فقدان السمع من إعاقةٍ يمكن التعايش معها إلى عزلةٍ قاسية تهدّد الأمان والحياة نفسها.

"لما تفضى السماعة ابني ينقطع عن الحياة"، بهذا الوصف تختصر تيمة الغرّة معاناةَ طفلها ساجد الغولة ابن الثمانية أعوام. ففي شهوره الأولى، لاحظت تيمة أن طفلها لا ينتبه للأصوات العالية، ولا يُبدي أيَّ اهتمام لما يدور حوله، وفي عمر ستة شهور، أظهرت الفحوصات في مستشفى سمو الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، أن ساجداً يعاني فقدانَ سمعٍ بنسبة 90 في المئة، وبعد رحلة تأهيلٍ طويلة خضع لعملية "زراعة قوقعة" وهو بعمر عامٍ وشهرين، حسبما تروي أمه لشبكة "نوى".

"لما تفضى البطارية يصبح ساجد معزولاً عن العالم، بعيّط، ببقى لحاله".

لكن الحرب بدّلت مسار كل شيء. النزوح من حيث تقطن في منطقة "التوام" شمال غزة إلى الزوايدة في المحافظة الوسطى، وانقطاع الكهرباء، وتعطّل خدمات الصيانة، كل ما سبق، جعل السماعة التي تصفها والدته بأنها "كل حياته" عبئاً يومياً.

وتحكي الأم: "لما تفضى البطارية يصبح ساجد معزولاً عن العالم، بعيّط، ببقى لحاله"، مشيرةً إلى أن طفلها كان يقضي ساعات طويلة بلا سمع، عاجزاً عن الفهم أو التفاعل.

وتضاعفت معاناة الطفل عقب إصابته بـ"العشى الليلي"، تتألم والدته من أجله كثيراً وتقول: "ساجد بكرِه الليل، بخاف من العتمة، بده يلعب وما بده ينام".

إلا أن الحياة عادت له مجدداً، بمجرد إعادة برمجة جهاز القوقعة واستئناف جلسات النطق في مستشفى حمد، بعد معاناةٍ طويلة في الحرب.

وتُوّجه الأم نداءً لكل الجهات المعنية: "وفّروا للأطفال زارعي القوقعة كهرباء وبطاريات وشواحن، السماعة تتعطّل من الغبار والمياه، ودونها يفقد الأطفال تواصلهم مع العالم".

بين الخوف والعجز عن طلب المساعدة

قصةٌ أخرى ترويها أمل حبيب عن نجلها عمر رجب البالغ من العمر (11 ربيعاً)، الذي وُلد عام 2014 ولادةً مبكرة في خضّم حربٍ واجتياحٍ لحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، حيث تقطن وعائلتها.

 تقول أمل: "بعد عامٍ من ولادة عمر، وبإجراء فحوصات روتينية، اكتشفت أنه يعاني فقدانَ سمعٍ شديد يصل إلى 90 في المئة، وحينها صارحني الطبيب: ابنك أصمّ".

عندما اندلعت الحرب الأخيرة على القطاع، بقيت العائلة صامدةً في حي الشجاعية. كان عمر يستخدم سماعاتٍ طبية تحتاج إلى بطاريات، ومع الاجتياح الأول، والنزوح المتكرر، وقصف المنزل، ضاعت البطاريات، وبقي بلا سماعات، وفقاً لحديثها.

"ضل أربع شهور كاملة دون سماعة، وكان لازم نصرّخ عشان يفهم، ومع القصف كان خوفه مضاعف لأنه مش عارف وين الصوت".

"ضل أربع شهور كاملة دون سماعة، وكان لازم نصرّخ عشان يفهم، ومع القصف كان خوفه مضاعف لأنه مش عارف وين الصوت"، تُخبر أمل شبكة "نوى".

وتضيف أن معظم المراكز المختصة بالسمعيات كانت إما مغلقةً أو نازحةً إلى الجنوب، ما جعل الحصول على البطاريات أو الصيانة شبه مستحيل.

وفي سياق حديثها، تذكر أن فرحته كانت غامرة "لما رجعنا الشجاعية ولقينا البطاريات"، لكنها فرحة مؤقتة أمام واقع هشّ.

لم تقتصر المعاناة على الأطفال. آمال إبراهيم عمرها (45 عاماً)، وهي سيدة من مدينة غزة، فقدت جزءاً كبيراً من سمعها قبل سنوات بسبب التهابات مزمنة، وكانت تعتمد على سماعة طبية واحدة. إبّان الحرب، نزحت من بيتها، وفقدت السماعة تحت الركام، "حسّيت إني انقطعت عن الدنيا"، تقول لـ"نوى".

من دون السماعة، لم تكن تيمة تسمع أصوات الطائرات أو التحذيرات. كانت تعتمد على قراءة حركة الشفاه أو إشارات من حولها.. " مش سامعة ومش قادرة أطلب مساعدة".

فمن دون السماعة، لم تكن تسمع أصوات الطائرات أو التحذيرات، وكانت تعتمد على قراءة حركة الشفاه أو إشارات من حولها. "الخوف كان مضاعف، مش سامعة ومش قادرة أطلب مساعدة"، تبعاً لكلامها.

حاولت آمال الوصول إلى مركز لتركيب سماعة جديدة، لكن غياب الأجهزة والبطاريات جعل الأمر مستحيلاً، قائلةً "السمع ليس رفاهية، هو أمان وحياة".

أزمة شُحّ السماعات

من ناحيتها، تؤكد سهى الهيثم، مشرفة مختصي السمع في قسم السمع والتوازن، في مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، الشحَّ الكبير في السماعات الطبية والبطاريات وقِطع الغيار الخاصة بفئة فاقدي السمع، الأمر الذي يزيد الأعباءَ الملقاة على عاتقهم.

وتقول الهيثم لـ "نوى"، إن المستشفى يجري الفحوصات اللازمة لفاقدي السمع، ويُصمّم القوالب للسماعات الطبية، لكنه يواجه أزمة شحّ السماعات"، مشيرةً إلى أن أكثر من 85 حالةً تنتظر تركيب سماعات طبية.

وتضيف "حتى المرضى الذين يمتلكون سماعات تغيَّر سمعهم بسبب الأصوات والانفجارات، ويحتاجون إلى تجديد الأجهزة، ما يزيد الأعباء الملقاة على عاتق قسم "السمع والتوازن" في المستشفى".

وتوضح أن كثيراً من السماعات التي يمتلكها فاقدو السمع أصبحت متعطلة أو متهالكة، وبعضها استُخرج من تحت ركام المنازل، فيما يفتقر قسم الصيانة إلى قطع الغيار. أما البطاريات، فتصفها بأنها "الشيء الأبسط والأكثر ندرة"، إذ يصعب دخولها إلى غزة، وتُنتظر أحياناً مع أي وفودٍ قادمة.

وبخصوص زارعي القوقعة، تلفت المشرفة إلى وجود نقصٍ حاد في المعالجات، والبطاريات القابلة للشحن، والشواحن، وأجهزة الرطوبة، وقِطع الرأس، معبرةً عن أسفها لاضطرار الطواقم إلى مفاضلةٍ قاسية تُفرض عليهم، بسبب قلة المتوفر وكثرة الاحتياج.

وتختم الهيثم حديثها: "فقدان السمع يعني فقدان التواصل، والانقطاع عن التعليم، ومخاطر يومية محدقة. ونفاد البطارية يعني عزلةً كاملة، وعودة السمع بمثابة ولادة جديدة".

ويبقى فاقدو السمع الأكثر صمتاً وهشاشة. وبين سماعةٍ مفقودة وبطارية نفد شحنها، تتجسد معاناةٌ إنسانية يطالب أصحابها بالحق في السمع، والتواصل، والحياة.

كاريكاتـــــير