غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بحكّةٍ لا تهدأ، وسخونةٍ تلتهم الجلد، وجسدٍ منهك لا يعرف الراحة، أفرجت سلطات الاحتلال عن أحمد (اسم مستعار) بعد قرابة عامٍ وسبعة أشهر من التنقّل بين سجونها، من عوفر إلى سدي تيمان فالنقب. خرج وهو يحمل آثار ما وصفه بظروف "غير إنسانية وقاسية"، قبل أن يُفرج عنه ضمن الصفقة المبرمة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2025م.
بدأت حكاية أحمد مع الاعتقال في الثالث من آذار/مارس 2024م، حين اقتحم جيش الاحتلال منطقة مدينة حمد السكنية غربي خانيونس، جنوبي قطاع غزة.
يتذكر اللحظة قائلًا: "شعرنا أن حياتنا وحياة عائلاتنا في خطر حقيقي. نادوا علينا عبر مكبرات الصوت بالخروج جميعًا، نساءً ورجالًا، إلى ساحة المدينة، وطلبوا منا المرور عبر ما يسمّى بنظام الحلّابة. كل خمسة يقفون أمام الجنود ويسلّمون بطاقاتهم الشخصية. من بين هؤلاء الخمسة، نادوا اسمي".
ينام الأسرى على فرشٍ قديمة تجاوز عمرها عشرين عامًا، لم ترَ الشمس يومًا، وتُسحب منهم خلال ساعات النهار "حتى لو كان الجو مثلجًا".
منذ تلك اللحظة، انفتحت أبواب العتمة على مصراعيها. خمسة أشهر متواصلة من التعذيب، مغمض العينين، بلا طعامٍ كافٍ، وبلا أيّ مقومات للنظافة الشخصية: ينام الأسرى على فرشٍ قديمة تجاوز عمرها عشرين عامًا، لم ترَ الشمس يومًا، وتُسحب منهم خلال ساعات النهار "حتى لو كان الجو مثلجًا"، كما يروي.
بعد الإفراج عنه، قال لزوجته جملة واحدة: "جسمي مليان حبوب". لم تمضِ ساعات حتى قصدا طبيب أمراض جلدية، ليتبيّن أنه مصاب بمرض الجرب "السكابيوس". دواءٌ مكلف في ظل الغلاء الخانق الذي فرضته الحرب، ومرضٌ كان يعانيه داخل المعتقل من دون أي علاج، إذ كانت إدارة السجن، بحسب قوله، ترفض تقديمه للأسرى.
و"السكابيوس"، بحسب منظمة الصحة العالمية، مرض جلدي معدٍ تسببه طفيليات دقيقة تخترق الجلد وتضع بيوضها، مسببة حكة شديدة وطفحًا جلديًا، وقد تؤدي إلى تقرحات ومضاعفات خطيرة، بينها تسمم الدم وأمراض القلب والكلى، وينتقل بسهولة عبر ملامسة الجلد.

صدمة أحمد لم تتوقف عند التشخيص. فقد أخبره "طبيب أسير" أن الشفاء السريع من المرض ليس سهلًا، وأن التعافي قد يستغرق وقتًا طويلًا، وربما يعود المرض مجددًا، ولا يغادر الجسد إلا بعد تكوّن مناعة قوية ضده. في تلك الفترة، كان أحمد قد نقل العدوى إلى زوجته وطفله.
يصف معاناته اليومية بالقول: "هذا المرض يحتاج إلى تعقيم كل الملابس، ومياه ساخنة، وأدوية، وملابس جديدة.. البطانيات والمكان وكل شيء يجب تعقيمه. تجربة قاسية جدًا، خصوصًا في الخيام. أحيانًا أدخل في اكتئاب بسبب الحكة، وبعد كل هذا، قد تعود من جديد".
بصوت مثقل بالألم، يستعيد عبد المعطي عصفور تفاصيل اعتقاله. أب لطفل وطفلة، اعتُقل من مركز إيواء شرقي خانيونس، ليقضي نحو ثمانية أشهر متنقلًا بين أكثر من معتقل، في ظروف وصفها بأنها "تفوق الاحتمال".
"بيئة الاحتجاز مولّدة للمرض. كنا ننام على فراش رطب وغير نظيف، كأنه منقوع بالماء، والبطانيات مقززة، لكننا كنا مجبرين على النوم فوقها".
يقول: "أنا مريض سكري، وأحتاج يوميًا إلى إبرة الإنسولين، لكن طوال فترة اعتقالي لم أحصل عليها، وبدأ جسدي ينهار تدريجيًا".
أُفرج عن عصفور ضمن الصفقة الأخيرة، غير أن خروجه لم يكن نهاية المعاناة. فقد تدهورت حالته الصحية داخل السجن، ومع انتشار مرض الجرب بين الأسرى، أصيب هو الآخر.
"ظهرت دمامل في أجسادنا، وكنا نحكّ طوال اليوم، بلا راحة"، يقول. مشيرًا إلى أنه بعد الإفراج عنه، تنقّل بين أطباء عدة بحثًا عن علاج، لكن المرض ما زال يلازمه حتى اليوم، وقد انتقل إلى أطفاله.
يصف بيئة الاحتجاز بأنها بيئة مولّدة للمرض، ويعقب: "كنا ننام على فراش رطب وغير نظيف، كأنه منقوع بالماء، والبطانيات مقززة، لكننا كنا مجبرين على النوم فوقها".
لم يستبعد هو وزملاؤه أن يكون ما يحدث متعمّدًا، حتى الطعام كانوا يشكّون فيه، في ظل الغياب التام لأي رعاية صحية أو إجراءات وقاية.

وفي وقت سابق، أطلقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين تحذيرات متكررة من مخاطر تفشّي الأمراض الجلدية، وعلى رأسها "السكابيوس"، بين الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، مؤكدة أن هذا الانتشار يهدد حياتهم في ظل "جحيم" يومي خلف القضبان.
قصة أسعد عصفور لا تختلف كثيرًا. يستعيد لحظة اعتقاله من مدرسة إيواء في بلدة عبسان الجديدة شرقي خانيونس، وكأنها مشهد لا يفارقه.
يقول: "كانت طائرات الكواد كابتر تحلّق فوقنا وتنادي عبر مكبرات الصوت: اطلعوا خمسات… اللي بدهم ياه بيعتقلوه".
اقتيد أسعد في 25 كانون الثاني/يناير 2024م من بين النازحين، ليبدأ رحلة اعتقال امتدت عامًا كاملًا، تنقّل خلالها بين سجني سدي تيمان وعوفر، وصولًا إلى سجن النقب.
"فجأة صار الجميع يحكّون أجسادهم. ما هذا المرض الذي انتشر بيننا دفعة واحدة؟ لم يكن الأسرى يعلمون أنهم يواجهون السكابيوس، الذي تفشّى في ظل غياب كامل للرعاية الصحية".
يصف تلك الشهور بأنها "ثقيلة كالعمر كله"، حيث القسوة رفيقة الأيام، والضرب جزء من كل تنقّل إلى الطبيب أو المحكمة، من دون أي علاج حقيقي.
"فجأة صار الجميع يحكّون أجسادهم. هل وضعوا لنا شيئًا في الطعام؟ ما هذا المرض الذي انتشر بيننا دفعة واحدة؟"، يتساءل. لم يكن الأسرى يعلمون أنهم يواجهون مرض السكابيوس، الذي تفشّى في ظل غياب كامل للرعاية الصحية.
أسعد متزوج وأب لخمسة أفراد. كانت عائلته، مثل كثيرين، عالقة في مدرسة إيواء تحت القصف والخوف، بينما كان هو يعيش حربًا أخرى داخل السجن.
يقول لـ"نوى": "ظهرت دمامل في أجسادنا، وكنا نشعر وكأننا نحترق. مع انعدام الدواء، حاول كل أسير علاج نفسه بوسائل بدائية لا تنفع".
خرج أسعد من السجن بجسد منهك، يقول بصوت مكسور: "طلعت وأنا تعبان، مش قادر أمشي على رجلي"، حاملاً في روحه ذاكرة عامٍ كامل من القهر، وباحثًا حتى اليوم عن علاج فعّال لمرض لم يغادره.
"الإهمال الطبي المتعمّد قد يُصنّف كجريمة حرب إذا كان ممنهجًا أو واسع النطاق، كونه إخلالًا بواجب الرعاية للأشخاص المحرومين من حريتهم".
من جهته، حمّل المحامي والناشط الحقوقي سعيد عبد الله سلطات الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة عن حماية صحة الأسرى وتوفير الرعاية الطبية لهم، وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، بما يشمل منع تفشّي الأمراض المعدية ومعالجتها دون تأخير أو تمييز.
وأوضح أن تفشّي الأمراض داخل أماكن الاحتجاز نتيجة الإهمال أو غياب التدابير الوقائية يُعدّ انتهاكًا جسيمًا للاتفاقية، وقد يرقى إلى معاملة قاسية أو مهينة، بل إلى التعذيب، إذا كان متعمّدًا.
وأشار إلى أن الإهمال الطبي المتعمّد قد يُصنّف كجريمة حرب إذا كان ممنهجًا أو واسع النطاق، كونه إخلالًا بواجب الرعاية للأشخاص المحرومين من حريتهم، داعيًا إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، وإدخال فرق طبية مستقلة، وتحسين ظروف الاحتجاز، والإفراج عن الحالات المرضية الحرجة.
"يعاني الأسرى من برد قارس في ظل غياب الملابس الشتوية، إلى جانب مصادرة الفرشات والبطانيات طوال ساعات النهار، وإعادتها لبضع ساعات ليلًا فقط".
وبحسب تصريح حديث لمكتب إعلام الأسرى، يعاني الأسرى من برد قارس داخل الغرف، في ظل غياب الملابس الشتوية، واقتصار ما بحوزتهم على بدلة سجن رقيقة وغيار داخلي وجوارب، إلى جانب مصادرة الفرشات والبطانيات طوال ساعات النهار، وإعادتها لبضع ساعات ليلًا فقط.
وحذّر المكتب من تفاقم الوضع الصحي مع انتشار مرض الجرب وأمراض جلدية أخرى، وفرض حجر داخلي على بعض الغرف دون توفير العلاج اللازم، في إطار سياسة الإهمال الطبي المتعمّد.
























