غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في ركنٍ غمره ظلُ شجرةٍ معمّرة تتوسط خيام النازحين في حديقة جمعية الشبان المسيحية غربي مدينة غزة، كانت خيوط الشمس تتسلّل برفقٍ بين الأوراق، لتضيء وجه الشابة رولا دلول وهي تضبط أوتار آلة الجيتار، بينما تجّمع الأطفال حولها في حلقةٍ صغيرة استعداداً لفصل جديدٍ من الغناء للحب والحياة والسلام.
المشهد الذي بدا وكأنه محاولةٌ ناعمة لزرع بذور الأمل في نفوسٍ أنهكتها ويلات الحرب، تحكي عنه دلول، صاحبة المبادرة: "الفن ليس ترفاً في زمن الحرب، بل ضرورةً للبقاء، فالموسيقا هي وسيلتنا للتعبير عن الحالة الفلسطينية، وإيصالُ صوتنا للعالم وكذلك أداة للتفريغ النفسي للأطفال".
"الطريق لم يكن سهلاً، فنقص الأدوات الموسيقية، وضيق المساحات الآمنة للتجمع، وأيضاً الضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال أنفسهم، جميعها تشكّل تحدياتٍ كبرى".
المبادرة التي بدأت فردياً، سرعان ما تحولّت إلى مساحةٍ جماعية يتشارك فيها الأطفال ألحان التراث الفلسطيني والأغاني العالمية، سعياً منها لإعادة زرع معاني الأمل والحياة وسط الخراب.
لكن الطريق لم يكن سهلاً، فنقص الأدوات الموسيقية، وضيق المساحات الآمنة للتجمع، وأيضاً الضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال أنفسهم، جميعها تشكّل تحدياتٍ كبرى. ومع ذلك، تصرّ دلول على الاستمرار، معتبرةً أن "كلَ أغنيةٍ تُعزف فوق الركام هي إعلانُ حياةً في وجه الموت".
خطابٌ إنسانيٌ أوسع
الفن الفلسطيني ليس بِدعةً مُستحدثة، بل موروثاً قديماً حملَ عبر عقودٍ معانيَ تثبيت الهوية والحفاظ على القضية، فقد نشأت رولا في طفولتها على قصائد محمود درويش، وألحانِ مارسيل خليفة، وإسهاماتِ "فِرقة العاشقين" في شحذ الروح الوطنية وإحياء التراث الفلسطيني، وغيرهم ممن ساهموا في تشكيل البصمة الفنية لمرحلة ما بعد النكبة.
"دورك في هذه المبادرة إلى أين يتجه؟".. تجيب عن السؤال: "أعمل على نقل هذا الموروث الغني إلى الأجيال الناشئة من الأطفال، وتعزيز اتصالهم بهويتهم الوطنية بواسطة الفن. وأركز في مبادرتي على الأغاني التي تتغزّل بجمال الوطن وأحقيةِ الفلسطينيين بهذه الأرض، وفي الوقت ذاته تُنمي حبَ الحياة والأمل بغدٍ أفضل".

وتوظّف دلول الأغنية العربية والإنجليزية معاً، لتخاطب جمهوراً محلياً ودولياً في آن واحد، مبررةً ذلك بالقول: "الأغنية العالمية مثل (بيلا تشاو) أو حتى العربية كأغنية "حلوة يا بلدي" تحمل رمزيةً تتجاوز حدود المكان، وبالتالي تتيح للأطفال أن يكونوا جزءاً من خطابٍ إنساني أوسع".
ولاقت المبادرة ردودَ فعلٍ متباينة في الخارج، بين كثرةٍ تراها صورةً مُلهمةً للصمود والرغبة في الانتصار على الألم، وقلةٍ تعدّها محاولةً بائسة لإخفاء حجم المأساة؛ مستدركةً: "لكن أنا والأطفال المشاركين معي، نجدها وسيلةً لإيصال رسالةِ الفلسطينيين بأنهم يستحقون الحياة والكرامة".
وتؤكد دلول: "حين يرى العالم صور الأطفال يغنون وسط الركام، يدرك أن الفن لا يرّفه عنا فحسب، بل له دلالة على أننا نبحث عن الحياة رغم كل شيء".
انتصارٌ صغير
ومن مئات آلاف الأطفال الباحثين عن نافذةٍ للتعبير عن صراعٍ أوجدته الحربُ في دواخلهم، يبرز صوت الطفلة فرح سالم (12 عاماً)، فتهمس: "الحرب قتلت أحلامنا، لكننا نحاول أن نغني للحب والسلام كي يعرف العالم أننا نريد أن نعيش".
أما شقيقتها مرح، تشرح كيف تغيرت نفسيتها بعد انضمامها للمبادرة: "كنت أشعر بالخوف طوال الوقت، لكن حين بدأتُ الغناءَ مع رولا وأصدقائي، صار عندي حلمٌ أن أغني حول العالم".

وتحلم دلول في أن تُعمّم هذه التجربة في جميع النقاط التعليمية ومراكز إيواء النازحين، مع ضرورة دعم هذا النوع من الأنشطة معنوياً ولوجستياً بتوفير الأدوات اللازمة، وحسب رؤيتها، لا يُختزل الغناء في كونه مجرد نشاطٍ ترفيهي، وإنما وسيلةٌ للتخفيف من آثار الصدمات النفسية.
حين يبتسم طفلٌ وهو يغني، تشعر رولا دلّول بالانتصار على جزءٍ من الحرب، وهذا "الانتصار الصغير" يتكرر في كل جلسة، حيث تتحول الأغنية إلى مساحةٍ آمنةٍ يشارك فيها الأطفال مشاعرهم، ويستعيدون بعضاً من طفولتهم المفقودة"، تختم حديثها.
























