شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 01 فبراير 2026م16:07 بتوقيت القدس

دراما تاريخية تحكي خلاصة عامٍ من النضال

المرأة تقود "الذاكرة" في "فلسطين 36"!

25 يناير 2026 - 16:51
مشهد من فيلم (فلسطين 36)
مشهد من فيلم (فلسطين 36)

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

منذ بداياتها، لم تكن الدراما الفلسطينية مجرّد سردٍ فني، بل فعل تنقيبٍ شاق عن وطنٍ حُلِم به طويلًا، وطنٍ غارق في الصراع منذ الأزمنة الأولى، لم تُنقذه قداسته، ولا تشبّث أهله بترابه، من مكائد حيكت خلف أسوار عالية، وفي عواصم بعيدة آلاف الأميال عنه.

كان الفلسطيني، في هذه السيرة المفتوحة على الألم، كالعين في مواجهة المِخرَز، يعيش أوضاعًا غير طبيعية، بلغت في كثير من محطاتها حدود الإبادة. وعلى إيقاع هذا الوجع المتراكم، حاولت الأقلام والعدسات توثيق الوقائع، غالبًا في اختزالات عاجزة عن الإحاطة، إلى أن جاءت السينما الفلسطينية، بعد تجارب طويلة ومتعثرة، لتثبّت الزمن في الذاكرة، قبل أن ينحدر إلى مسارات أكثر قسوة ودمارًا.

يوثّق الفيلم موقف الفلسطيني الرافض للانتداب البريطاني، واضعًا المشاهد أمام لحظة تاريخية كثيفة، لا بوصفها ماضيًا، بل جذرًا لما تلاه من انكسارات وأسئلة مفتوحة.

يقدّم فيلم "فلسطين 36"، وهو دراما تاريخية تمتد على مساحةٍ زمنية قوامها (119) دقيقة، خلاصة عامٍ كامل من نضال الشعب الفلسطيني، مضغوطة في عدسة كاميرا واعية، ونص سيناريو محكم، ووجوه عشرات الممثلين، ضمن جغرافيا محدودة من فلسطين.

ويوثّق الفيلم موقف الفلسطيني الرافض للانتداب البريطاني، ولسياساته التي مهّدت الطريق لاحتلال البلاد، واضعًا المشاهد أمام لحظة تاريخية كثيفة، لا بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل جذرًا لما تلاه من انكسارات وأسئلة مفتوحة.

وفي واحدة من أثقل لحظات الزمن على جدار الوطن، تبرز المرأة الفلسطينية في الفيلم عنصرًا فاعلًا لا هامشيًا، قادرة على ابتكار أشكال نضال تتجاوز الأدوار النمطية السائدة، وتعيد تعريف موقعها في المعركة الكبرى. ليست المرأة هنا ظلًا للرجل، بل شريكة في صناعة الوعي، ومحرّكة للحدث، وحارسة للمعنى حين يتآكل.

يجسّد الفيلم المرأة الفلسطينية بوصفها حاملة لمعاني الفداء والتربية والوعي، ومشعلة لجذوة المقاومة في وجدان المجتمع، رافعة لقيمة الوطن في أعين الأجيال.

ولا يكتفي بذلك، بل يدفعها إلى الفعل المباشر عبر شخصيات تاريخية، أبرزها خلود عاطف، التي أدّت دورها الفنانة ياسمين المصري، فمنذ اللقطة الأولى، بملابس الرجال، والسيجارة، وصوت الآلة الكاتبة، وتعريفها ككاتبة مقالات، يقدّم الفيلم نموذجًا غير مألوف للمرأة العربية؛ امرأة واعية، جريئة، شجاعة، تناضل في ميادين متعددة، ولا تخشى الاصطدام بالسائد.

خلود، الأنيقة المثقفة الطموحة، تواجه الرواية الزائفة بانتماء وطني يتقدّم على المصالح الشخصية، وتكسر الهيمنة الذكورية واسعة الامتداد، مقدّمةً نموذجًا لامرأة قادرة على قراءة التحولات الكبرى، وصياغة موقعها داخل واقع عربي مأزوم.

ينتقل الفيلم بسلاسة إلى شخصية الطفلة عفراء، لتمنح صورةً لافتة عن تفكير فتيات القرى النائية، وطموحاتهن في الوصول إلى المدينة والانخراط في التعليم والفعل الحضاري.

من هذا النضج، ينتقل الفيلم بسلاسة إلى شخصية الطفلة عفراء، التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، لتمنح المشاهد صورةً لافتة عن تفكير فتيات القرى النائية، وطموحاتهن في الوصول إلى المدينة والانخراط في الفعل الحضاري، في طرح غير نمطي لطفولة مبكرة، ترى في التعليم والمدينة أفقًا لا ترفًا.

ولا يغفل الفيلم المرأة الفلّاحة، الشريكة للرجل في حصاد القمح، ولا المرأة ربّة المنزل، المؤمنة بالله، الحارسة للأخلاق والقيم، والغارسة في أبنائها حب الله، والأهل، والوطن.

كما يبرز دور النساء في دعم الثورة ماديًا، عبر التبرع بالحُلي وجمع الأموال لإسناد الثوار في مواجهة الانتداب والعصابات المسلحة، في مشهدية تؤكد أن المقاومة لم تكن بندقية فقط، بل قرارًا جماعيًا تشاركت فيه النساء بوعي وإصرار.

يعود الفيلم إلى عام 1936م؛ ليقدّم المرأة قائدة للإضراب العام، ومتصدّرة للاحتجاجات ضد الانتداب ووعد بلفور. بصوتها الواثق، ولغتها الإنجليزية المتينة، وهيئتها الأنيقة، تمثّل المرأة الفلسطينية أمام قادة الانتداب، وتكون سندًا لرجال المقاومة في الجبال والسهول والمدن.

لا يقدّم الفيلم امرأة واحدة، بل فسيفساء من الأصوات النسائية، في إشارةٍ ذكية إلى أن الوعي لم يكن استثناءً، بل سمة عامة لنساء فلسطين، أعطت كل واحدة منهن صوتها المتشابك مع صوت الوطن.

يخلص المشاهد إلى أن المرأة في "فلسطين 36" نالت مساحتها العادلة في السرد، بصفتها مثقفة، وفلاحة، وأمًا، وأختًا، وحبيبة، ومفكرة، وحارسة للبيت والقرية، متمسكة بمواقفها الوطنية رغم الضغوط والإغراءات.

وفي زمن الإبادة والدمار، تظل المرأة الفلسطينية أيقونة للصبر والشجاعة، حاملة للإيمان والأمل، وصانعة للمعنى في أكثر اللحظات عتمة.

الفيلم من إخراج الكاتبة والمنتجة والمخرجة آن ماري جاسر، وهو إنتاج دولي مشترك، يُضاف إلى رصيدها السينمائي الذي يضم أكثر من ستة عشر عملًا بين الوثائقي والروائي، حصدت جوائز دولية عديدة.

"حلمتُ بالفيلم منذ عقد، فهو يحكي عن فترة تُجسّد أحد أكثر المنعطفات المحورية في تاريخنا الفلسطيني، ومنها تبدأ كل الحكايات اللاحقة بلا استثناء".

وشاركت في العمل ممثلات بارزات، منهن ياسمين المصري (خلود عاطف)، وهيام عباس (حنان)، ويُمنى مروان (أم كريم)، وعفراء، إلى جانب طاقم عربي ودولي متنوع.

وتقول المخرجة آن ماري جاسر في تصريحات صحفية: "إن فلسطين 36 ليس مجرد فيلم تاريخي، بل رسالة عن رفض الاختفاء، بمعنى رفض أي محاولة لمحو الرواية الفلسطينية من الذاكرة العالمية"، عادةً أحداثه انعكاسًا لرغبة صريحة في التأكيد على وجود الشعب الفلسطيني وتاريخه، رغم كل محاولات الطمس والإلغاء.

وأضافت في تصريح آخر: "حلمتُ بالفيلم منذ عقد، فهو يحكي عن فترة تُجسّد أحد أكثر المنعطفات المحورية في تاريخنا الفلسطيني، ومنها تبدأ كل الحكايات اللاحقة بلا استثناء. انغمستُ في نهرٍ طويل من البحث، فقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب ووثائق وشهادات، وجمعت صورًا ومواد فيلمية وآثارًا لا تُحصى من الانطباعات".

"فلسطين 36، لا يستعيد ثورة 1936 بوصفها ملحمة وطنية مكتملة، بل كحدث مليء بالتصدعات والأسئلة، ويقدّم الفلسطيني إنسانًا عاديًا محاصرًا بالخوف والاختيار، لا بطلًا أسطوريًا".

وفي تعليق له حول الفيلم، كتب الكاتب الفلسطيني سليم البيك مقالًا أكد فيه أن العمل يُعد نقلًا سينمائيًا أمينًا للدراسة الأهم التي تناولت تلك الحقبة، التي كتبها غسان كنفاني بعنوان (ثورة 36–1939 في فلسطين: خلفيات وتفاصيل وتحليل)، مشيرًا إلى أن الفيلم يعكس تقسيم الدراسة بين العمال والفلاحين والمثقفين.

وقال البيك: "فلسطين 36، لا يستعيد ثورة 1936 بوصفها ملحمة وطنية مكتملة، بل كحدث مليء بالتصدعات والأسئلة، ويقدّم الفلسطيني كإنسان عادي محاصر بالخوف والاختيار، لا كبطل أسطوري، كما يبرز العمل التناقضات الداخلية المبكرة في المجتمع الفلسطيني، وعلاقة المقاومة بالسلطة والانقسام تحت الاحتلال البريطاني".

وأكد البيك في مقاله المنشور في صحيفة "القدس العربي" أن الفيلم لا يتحدث عن الماضي فقط، بل يعكس الحاضر الفلسطيني، عادًا أن قوة العمل تكمن في تفكيك الرومانسية، وإظهار كيف بدأت بذور الانقسام الفلسطيني مبكرًا، تحت الاحتلال البريطاني وبفعل البنى الاجتماعية الداخلية.

وخلُص إلى أن ما نعيشه اليوم ليس قطيعة مع 1936م، بل امتداد لها، وأن "فلسطين 36" ليس فيلمًا عن الماضي، بل عن سؤال فلسطين المستمر: لماذا تتكرر الهزيمة، وكيف يُعاد إنتاجها؟

يشرق "فلسطين 36" من جرح صنعه الانتداب، وكرّسه احتلال ما زال يمارس القمع والتدمير في ظل صمت عالمي فادح. ومع ذلك، تبقى السينما، كما الأقلام والعدسات، شاهدًا حيًا، إلى أن تُثمر التضحيات حريةً واستقلالًا، وتستعيد الأجيال الفلسطينية حقها في حياة كريمة وآمنة.

كاريكاتـــــير