الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في غرفة صغيرة داخل أحد بيوت الضفة، كان محمد ذو الأعوام السبعة يجلس إلى جانب أخيه حسن، يمسكان هاتفًا قديمًا يحفظ صورة واحدة لوالدهما الأسير عدي عياش. رفع محمد الصورة، وقال ببساطته المعهودة: "عندما يخرج أبي سأعاتبه لأنه جعلنا ننتظره طويلًا"، ثم ارتسمت على وجهه ضحكة خفيفة قبل أن يتدارك نفسه همسًا: "أنا أمزح.. سأحضنه، وأجعله يبقى معنا، ولا يذهب بعيدًا بعد الآن".
كان صوته خفيفًا، لكن الغصّة التي تركها في ثنايا كلماته ثقيلة. حسن بدوره لم يكن قد فهم معنى الانتظار تمامًا بعد؛ فهو لم يعرف والده إلا من الصورة نفسها، ومن زيارات قديمة لا يذكرها وهو طفل رضيع. وعندما سألته عن أول ما سيفعله حين يراه، شبك أصابعه الصغيرة وقال: "أريد أن أحضنه". لم يكن الطفلان يملكان غير هذا الحلم الصغير.. حضن طويل لا يُنتزع منهما.
في أول يوم دوام لمحمد، رأى طفلًا يقف لالتقاط صورة مع والده، فالتفت نحوها وهو يشد حقيبته، وسأل: "لماذا لم يأتِ والدي معي؟".
أم محمد، التي تحمل أعوام القلق على كتفيها، أعادت تذكّر آخر زيارة سمح بها الاحتلال في الخامس عشر من أيلول 2023. قالت إن تلك اللحظة كانت الفاصل الأخير بين أطفالها ووالدهم، قبل أن تُغلق الأبواب بالكامل بعد السابع من أكتوبر، فتتلاشى الزيارات وتضيع الأخبار بين الجدران الباردة. عاد الأب بعد الإفراج الأول ليقضي أشهرًا قليلة مع عائلته، ثم اعتُقل مجددًا، تاركًا محمدًا وحسن في دائرة الغياب.
كبر الطفلان، لكن ملامح الأب بقيت ثابتة في الصورة أكثر مما بقيت في ذاكرتهما. تقول الأم إنها كانت تسمع أسئلتهما كل يوم بلا توقف: "لماذا بابا ليس هنا؟ لماذا لا يأتي مثل آباء بقية الأطفال في المدرسة؟". في أول يوم دوام لمحمد، رأى طفلًا يقف لالتقاط صورة مع والده، فالتفت نحوها وهو يشد حقيبته، وسأل: "لماذا لم يأتِ والدي معي؟". كان السؤال أقسى من قدرة الأم على الاحتمال، لكنها اكتفت بترديد جملة واحدة تعيدها كل مساء: "أبوك سيعود قريبًا.. لا تخف".
تحاول أم محمد الحفاظ على علاقة الطفلين بوالدهما عبر الرسومات التي يرسمانها، والرسائل الصغيرة التي يكتبانها قبل النوم، وخيال القصص التي تربطهما بصورة الأب حتى لا تمحوها الأيام.
ومع مرور الشهور، صار حسن يعرض صورة والده كلما صادفها ويسأل: "ماما، هذا بابا؟ متى سأراه؟". لم تكن الأم تملك إجابة، غير احتضان الطفلين وطمأنتهما أن الغياب ليس اختيارًا، وأن الأب لا يزال يحبهم، حتى من وراء القيد.
تحدثنا أم محمد أنها كانت تعود من الزيارات القديمة منهكة من بكاء الطفلين؛ فقد كانا يقفان عند بوابة السجن يصرخان: "بابا.. تعال معنا"، ثم يرجعان وحدهما. وبعد المنع الكامل للزيارات، صارت تواجه الأسئلة الثقيلة دون وسيلة لتهدئة مخاوفهما سوى الكلمات: "هناك أمور يجب أن نحافظ فيها على سلامتنا، وعندما تتحسن سنعود لزيارة بابا ونفرح برؤيته". كانت تحاول الحفاظ على علاقة الطفلين بوالدهما عبر الرسومات التي يرسمها محمد، والرسائل الصغيرة التي يكتبانها قبل النوم، وخيال القصص التي تربطهما بصورة الأب حتى لا تمحوها الأيام.
من الناحية النفسية، تؤكد الأخصائية نسرين بشارات أن غياب الأب القسري يترك أثرًا عميقًا في نفسية الأطفال، ووصفته بأنه "فقد غير مفهوم.. الأب موجود، لكنه غير قادر على أن يكون معهم". هذا النوع من الفقد يولّد مشاعر متضاربة: خوف، اشتياق، غضب، وأحيانًا شعور بالذنب.
وتضيف: "الأطفال في مثل حالة محمد وحسن قد يعانون من اضطراب النوم، وحساسية عالية تجاه الانفصال، تشتت، وسلوكيات رجعية مثل التعلق الشديد أو التبول الليلي"، مؤكدة أن هذه المشاعر ليست مرضًا بل رد فعل طبيعي لطفل يعيش حدثًا يفوق قدرته على الفهم.
وترى بشارات أن دور العائلة محوري في تخفيف الأثر؛ فالشرح الهادئ دون تهويل، والحفاظ على الروتين اليومي، وتوفير أمان داخل البيت، والتعبير بالرسم أو اللعب، كلها أدوات تخفف الصدمة على المدى البعيد.
وتشير إلى أن برامج الدعم النفسي أصبحت ضرورة للأطفال المحرومين من آبائهم، لما تقدمه من مساحات آمنة للتعبير، ولإشعار الطفل بأنه ليس وحده، وأن مشاعره مفهومة ومسموحة.
"الأطفال كانوا أول من تلقّى الضربة. محمد وحسن ليسا حالة فردية.. نحن نوثّق يوميًا عشرات القصص لأطفال فقدوا القدرة على تمييز ملامح آبائهم".
داخل هذه الصورة الواسعة، تتقاطع شهادة أماني سراحنة، مديرة مكتب الإعلام في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، مع ما تقوله الأمهات في البيوت.
تؤكد سراحنة أن منع الزيارات بعد السابع من أكتوبر حرم آلاف الأطفال من حقهم الطبيعي في رؤية آبائهم، قائلة: "الأطفال كانوا أول من تلقّى الضربة. محمد وحسن ليسا حالة فردية.. نحن نوثّق يوميًا عشرات القصص لأطفال فقدوا القدرة على تمييز ملامح آبائهم".
وتلفت إلى أن الهيئة سجّلت خلال العام مئات الحالات لاضطرابات مرتبطة بالغياب القسري، وأن الانقطاع التام عن الآباء خلف الأسلاك خلق "فجوة عاطفية حادة داخل الأسرة الفلسطينية".
وتقول سراحنة: إن "السجون بعد الحرب تحوّلت إلى مساحات عقاب انعكس قسوتها مباشرة على العائلات"، مضيفة: "نتلقى اتصالات يومية من أمهات يتحدثن عن أسئلة مستحيلة.. طفل عمره ثلاث سنوات سأل أمه مؤخرًا: هذا مَن؟ عندما أرتْه صورة والده".
"الحق في الزيارة ليس امتيازًا، بل جزء من حماية الطفولة، وحرمان الأطفال منه يمزّق العلاقة بين الطفل ووالده ويترك أثرًا لا يُمحى".
وتردف: "الحق في الزيارة ليس امتيازًا، بل جزء من حماية الطفولة، وحرمان الأطفال منه يمزّق العلاقة بين الطفل ووالده ويترك أثرًا لا يُمحى".
وبحسب بيانات هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، فإن ما يعيشه محمد وحسن يمثل واقع آلاف الفلسطينيين؛ هناك اليوم أكثر من 9250 أسيرًا ومعتقلًا، بينهم 50 أسيرة وما يقارب 350 طفلًا، بعضهم لم يتجاوز سن الرابعة عشرة. هذه الأرقام تؤكد أن الفقد لا يمرّ على بيت فلسطيني دون أن يترك أثره.
ولكي لا يبقى صوت الغياب حبيس زاوية واحدة، يطل في الذاكرة أطفال الأسيرات الذين تكبر أسئلتهم بلا أجوبة، أطفال ينتظرون أمّهات لم يستطيعوا لمسهن منذ شهور وربما سنوات، يحملون الدمية في يد.. وصورة الأم في اليد الأخرى.
في بيت عائلة عياش، تكبر صورة الأسير عدي كلما ضاقت المسافات، ويكبر معها أمل أمه التي تحفظ صوته وملامحه عن ظهر قلب. وبين شهادة طفلين يبحثان عن حضن أبيهما، ووعدٍ يتجدد مع كل فجر، تبقى القضية مفتوحة على سؤال واحد: كم يلزم هذا البلد من صبرٍ حتى يعود الأسير إلى بيته، وتعود البيوت إلى ضحكتها الأولى؟
























