غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بكوب ماء ساخن، ممزوج ببعض البهارات، ومذوبٌ فيه مكعب واحد من مرق الدجاج، سقت مريم باسل قطع الخبز المنثورة في طبقٍ كبير. تقول إنها ستصنع "فتة كذابة"، بما تبقى لديها من أرز أبيض تضعه فوق الخبز المنقوع بالمرق.
تخبرنا مريم: "قبل الإبادة، كنا نعدّها كل جمعة بالدجاج أو اللحم، نتفنن في وضع الزينة فوقها، اللوز المقلي والبقدونس وشرائح الليمون. اليوم كل هذا اختفى".
في غزة، حيث يتقاطع القتل والجوع، تترافق تفاصيل "الإبادة" بالتجويع والتعطيش، ويُلقي انقطاع الطحين والمواد الغذائية من خضراوات ولحوم، بظلاله على المحاصرين تحت النار هناك، الذين يعتمدون في جل غذائهم على المعلبات، ويحاولون التحايل على طعمها الذي رافقهم أكثر من عام ونصف، بابتكار أكلات وأطعمة، أو خلق بدائل لأطباق شعبية حسب المتوفر.

وتعلق مريم: "صنعنا من أكل الدواب خبزًا، ومن المعلبات وجبات مختلفة، ومن قشر البطيخ مخللًا، ومن الحلاوة شوكولاتة، ومن الرماد كرامة"، مردفةً بعنفوان: "لقد كتبنا في كل وصفة قصة ثبات سيخلدها التاريخ لا محالة".
الفول، والحمص، والعدس، والبازيلاء، والفاصولياء البيضاء، صارت المكونات الرئيسة على كل الموائد في قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م. غابت القدور الحديثة، وأخرجت الأمهات أواني الطبخ القديمة، التي قاومت معهن ظروف الحياة فوق النار وتحتها، بين الخيام، ووسط ويلات النزوح.
صنعت هند المخلل من قشر البطيخ. تُقيّم التجربة بالجيدة، وتقول: "لقد ساعد العائلة على سد جوعها".
واقترحت الكاتبة سميرة نصار إصدار كتابٍ باسم "أكلات الحرب"؛ ليكون بديلًا عن كتب مشاهير الطهاة، وقالت: "النساء في غزة أبدعن في تحويل أقل القليل إلى وجبات تحفظ كرامة الأطفال."
في حين حدثتنا هند ميمة، كيف صنعت مخللًا من قشر البطيخ، الذي نجا من النار في بعض مزارع قطاع غزة الصيف الماضي، وقالت: "استخدمت الخل، والسكر والملح، غليته ووضعته في مرطبانات بلاستيكية"، مشيرةً إلى أنها تتذوقه لأول مرة، وتقيم التجربة بـ"الجيدة"، لا سيما وقد ساعد العائلة على سد جوعها في أوقات انقطاع الغذاء.

وتتحدث أم خالد أبو جزر (45 عامًا)، عن محاولاتها إسعاد أطفالها الذين يعشقون الشوكولاته، "هذه الحلوى المفقودة في قطاع غزة، ولم نرها منذ بداية الحرب إلا وقت الهدنة الهشة"، وتقول: "كان لدي علب حلاوة طحينية من المساعدات، أهرسها، وأخلطها من بعض الكاكاو الخام، والقليل من الماء المغلي. أمزجها معًا وأحصل على قوام شوكولاته الدهن"، متابعةً وهي تبتسم: "كانوا يقتنعون أنها شوكولاته حقيقية، ولا يشعرون بأي فرق. كانوا يشتاقون لأي نكهات مختلفة تخرجهم من إطار طعام المساعدات المليء بالمواد الحافظة".
ليس هذا وحسب، ففي ما يمكن تسميته بـ"دفتر طبخات الحرب"، اخترعت النساء الفلسطينيات في قطاع غزة، عشرات الأطباق الاستثنائية، وعمّمتها بعضهن على مجموعات في مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الفائدة، وتعليم السيدات الأخريات كيفية تجاوز الأزمة، وخلق الحياة من العدم.
تصنع الغزّيات كباب العدس بعد نقعه، وهرسه مع بصل ناعم وحبة بطاطا وبعض البهارات، ويقلينه بعد تشكيله على هيئة أصابع كفتة.
كباب العدس على سبيل المثال، الذي يُعد من نقع العدس، وهرسه مع بصل ناعم، وحبة بطاطا وبعض بهارات الكباب، ثم تقلى كما تقلى الكفتة. أيضًا عجة الفاصولياء البيضاء بدون بيض، حيث تُهرس بعد سلقها وتُخلط بالحليب، والبقدونس، والفلفل الأخضر، والبهارات، إضافة إلى الحمص المعلب المهروس، المخلوط بالملح والطحينة، وبدون الثوم لأنه مفقودٌ والموجود منه باهظ الثمن.
وتحكي سماهر لـ"نوى"، كيف صنعت الطحينة منزليًا، عندما انقطعت من الأسواق، وصار أطفالها يشتهونها. تقول: "طحنت السمسم يدويًا، وأضفت إليه زيت السيرج. كان الطعم قريبًا لكن الطحن نفسه متعب للغاية".
صنعت أم علاء أبو جزر الدُقة من العدس، وهرست المعكرونة لصناعة الخبز وأقراص الفلافل من معلبات البازيلاء والحمص.
ولا تنسى أم علاء أبو جزر (45 عامًا)، من مدينة خانيونس، كيف استخدمت العدس بدل القمح لصناعة الدقة الغزاوية، وكيف هرست المعكرونة لصناعة الخبز، وكيف صنعت بديلًا للأفوكادو بالبازيلاء المعلبة، وكيف وضعت مرة أقراص فلافل مصنوعة من معلبات الحمص والبازيلاء وبعض البهار على طاولة الطعام، بعد أن اشتهاها أولادها مرة"، وتضيف: "هذه المرحلة من حياتنا لن ننساها. لقد تعلمنا فيها الكثير.. تعلمنا أن نتعايش مع أي حال، وأن نصنع الشيء من اللا شيء".
تسكت قليلًا قبل أن تختم: "هذه المرحلة علمتنا كيف نصمد.. كما لم يصمد من قبلنا أحد".
























