شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م02:02 بتوقيت القدس

"الدعم النفسي" للصحافيات.. بين الحاجة و"أولويات الإبادة"!

21 مايو 2025 - 11:41

غزة/شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تتجرّع الصحافية الفلسطينية يافا أبو عكر، الاتصال الذي وردها من إحدى المؤسسات الإعلامية، تدعوها لحضور جلسات تفريغ ودعم نفسية، لمدة ثلاثة أيام.

تقول أبو عكر: "ابتلعت قهري وسكتُّ في محاولةٍ لضبط أعصابي، وأنا العائدة لتوّي من السوق بحثًا عن كيلو طحين أعد به الخبز لأطفالي".

اعتذرت الصحافية الثلاثينية للمتصلة، وأغلقت الخط وهي تتساءل: "من يحتاج الدعم النفسي الآن في ظل هذه المجاعة؟".

ووجدت الصحافيات الفلسطينيات أنفسهن، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول لعام 2023م، وسط نيران القتل والتدمير، وضغوط العمل في ملاحقة الأحداث، وفي الوقت ذاته، تحت سطوة الحصار المر، والمسؤولية المتعلقة بتوفير احتياجات العائلة من طعامٍ وشراب، وأمان أيضًا.

هذا دفع ببعض المؤسسات لتقديم تدخلات الدعم النفسي، كجزء من الاحتياجات الأساسية للصحافيات في ظل الإبادة، عادّةً أنها لا تقل أهمية عن الطعام والشراب والملبس. وهنا انقسمت الصحافيات بين تأييدٍ ومعارضة، بعضهن يرين فيها ضرورة، وأخريات يصفنها بـ"الرفاهية" التي لا تتناسب مع واقع الحياة في خيمة، والوقوف لساعات في طوابير الخبز والماء.

يافا أبو عكر: "هذه الأنشطة لن تشبع صحافية جائعة، والأفضل تقديم تمويلها على هيئة مبالغ نقدية، أو حتى على هيئة طرود طعام".

وترى أبو عكر أن هذه الأنشطة، لن تشبع صحافية جائعة، "والأفضل تقديم تمويلها على هيئة مبالغ نقدية، أو حتى على هيئة طرود طعام"، قائلةً بانفعال: "أروح أعمل تفريغ نفسي وأرجع أعبي مي (ماء) وأدوّر (أبحث) ع خبز وأكل للأولاد، وأطبخه على نار الحطب؟ خلونا منطقيين شوي".

وتصر يافا على أن هذه الجلسات، لن تحدث فرقًا في نفسيات الصحافيات طالما أن الحرب مستمرة، "فكل ما نحتاجه الآن، أن نستطيع البقاء واقفات على أقدامنا، قادرات على متابعة التغطية، آمنات على أطفالنا من قرص الجوع لأحشائهم الصغيرة".

بيسان المبحوح: "كنت أغادر الجلسة بحالٍ أفضل، وقد تعلمت طرقًا ووسائل تساعد على تخفيف الضغط والتوتر في لحظات الخوف الشديد، علمتها بدوري لأطفالي".

في المقابل، شاركت الصحافية بيسان المبحوح (32 عامًا) في جلسات دعمٍ نفسية عديدة خلال الحرب، وقدمت عنها رؤية مختلفة.

قالت: "كانت الجلسات ممتعة ومفيدة، كنت أغادر المكان في حالٍ أفضل، وقد تعلمت طرقًا ووسائل تساعد على تخفيف الضغط والتوتر في لحظات الخوف الشديد، علمتها بدوري لأطفالي، وأحثهم على تطبيقها وقت القصف، لا سيما ليلًا".

وتزيد مبتسمة: "فعليًا خلال الجلسات كنت أنسى الحرب، أضحك من قلبي، وكأن الحرب لم تمر عليه أبدًا"، مشيرةً إلى أن الإنسان -وبعد مدة طويلة من القهر مثل التي يعيشها في الإبادة بغزة- يحتاج لمن يذكره بأن هناك حياة حقيقية، وأن عليه أن لا ينسى ضرورة التخطيط لها بعد انتهاء المقتلة. أن ينبهه إلى أن استنزاف نفسه سيصل به إلى طريقٍ مسدودة يندم عليها بعد انتهاء الحرب إن كُتبَت له النجاة".

وتوافقها الرأي، الصحافية شيرين خليفة، التي قالت لـ"نوى": "شاركتُ في جلسات التفريغ النفسي لشعوري بالحاجة الماسة لمثل هذه الجلسات. لرغبتي في تفريغ مشاعر القهر والغضب والضغط التي عشتها في الخيمة".

عاشت خليفة معاناة النزوح منذ أول أيام الحرب على غزة، وما رافقها من شعور بانعدام الأمن، وغياب الاستقرار النفسي والعائلي، والاكتظاظ، وانعدام الخصوصية، بالإضافة إلى شح المواد الغذائية. "معيشة الخيام وحدها كانت تقتلنا كل يوم. حر الصيف، ورياح الشتاء العاتية. القوارض والحشرات، وأصوات الكلاب الضالة، والطبخ على الحطب! كلها زوايا كفيلة بأن تخنق روحك، وتقتل أي شغف لديك ببطء شديد" تقول.

وتضيف: "عشت معاناة الحرب كصحفية، كان عليّ الخروج تحت النار، وزيارة مراكز ومخيمات الإيواء، وتسجيل آلام الناس ومعاناتهم. لقد علقت في ذاكرتي حالات لا يمكن أن أنساها! لا سيما الأطفال الذين سلبت الحرب أطرافهم، وكبار السن الذين سرقت الحرب استقرارهم الجسدي والنفسي، والمرضى الذين يبحثون عن حبة الدواء، والنساء التي قتلت الحرب أنوثتهن وطحنتهم في رحى الحاجة".

وتؤكد شيرين، أن جلسات الدعم النفسي أو "الإسعاف النفسي الأولي" كما تفضل أن تسميها، تسهم في تخفيف العبء النفسي ولو من خلال رؤية الزميلات ومقابلتهن بين الفينة والأخرى، "هناك نشجع بعضنا بعضًا، ونتزوّد ببعض المهارات الحياتية الأولية لتفريغ الضغوط. هناك ننفصل عن ضغوطات الحياة، ونعيش لوقت قصير حياةً طبيعية، فيها نضحك ونمزح ونرسم ونحكي كل ما يجول في خاطرنا"، مشيرةً إلى أن أثر هذه الجلسات -يا للأسف- مؤقت، بسبب استمرار صدمات الحرب، واستمرار الشعور بانعدام الأمان.

هداية شمعون: "الصحافيات لديهن أدوار مختلفة على أرض الواقع، وفي نقل الواقع، وهن بأمس الحاجة لرعاية ذواتهن؛ ليتمكنّ من الوقوف على أقدامهن من جديد".

من جهتها، توضح مدربة الرعاية الذاتية هداية شمعون، أن هذا النوع من التدريبات التفريغية، يأتي استجابة لاحتياجات الصحافيات، "ذلك نظرًا لأهمية الصحة النفسية في ظل خصوصية العمل الصحفي خلال الحرب".

وتقول: "الصحافيات لديهن أدوار مختلفة على أرض الواقع، وفي نقل الواقع، وهن بأمس الحاجة لمساحة خاصة بهن لرعاية ذواتهن؛ ليتمكنّ من الوقوف على أقدامهن من جديد، ودفع بعضهن للتعافي والتحمل، من خلال مشاركة تجارب الحياة تحت الإبادة".

بدوره، يؤكد حكمت يوسف، مدير مؤسسة "بيت الصحافة" بغزة، أن المؤسسة قررت إطلاق جلسات دعم نفسي واجتماعي للصحافيات في غزة، استجابةً للضغوط النفسية الهائلة التي يتعرضن لها.

حكمت يوسف: "تهدف هذه الجلسات إلى التخفيف من الصدمات النفسية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتوفير مساحة آمنة للتعبير والمشاركة، إضافة إلى تقديم أدوات عملية تساعد على التكيف مع الوضع القاسي".

ويقول: "تهدف هذه الجلسات إلى التخفيف من الصدمات النفسية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتوفير مساحة آمنة للتعبير والمشاركة، إضافة إلى تقديم أدوات عملية تساعد على التكيف مع الوضع القاسي".

ويشير يوسف إلى وجود نتائج ملموسة في نفسيات الصحافيات بغزة، رغم استمرار الحرب، مثل تحسن القدرة على التعبير، وانخفاض القلق، وخلق دافعية جديدة للاستمرار في أداء أدوارهن المهنية والاجتماعية بشجاعة.

وتركز الجلسات النفسية المقدمة للصحافيات في قطاع غزة، غالبًا، على تنفيذ أنشطة التفريغ النفسي والتعبير المحسوس عن المشاعر، من خلال الرسم والتشكيل بالصلصال والأدوات المساعدة، بالإضافة إلى أنشطة التعبير المحكي عبر قص الحكايا واستدعاء المواقف الضاغطة وتفريغها، والحديث عن الأمنيات والأحلام المستقبلية، وطموح الحياة القادمة، بالإضافة إلى التركيز على أساليب الرعاية الذاتية، وطرق التفريغ النفسي والاسترخاء؛ لتحسين جودة حالتهن النفسية ولو بشكل مؤقت خلال الإبادة.

كاريكاتـــــير