غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
هل تخيّلت يومًا أن تبقى حبيس غرفةٍ معتمة، تفوح فيها رائح الرطوبة، لا الشمس تزورها ولا أصوات العصافير.. لأربعة عقود؟! هل تخيّلت أن تُحرم طوال تلك المدّة من رؤية أطفالك؟ من احتضانهم ولو لمرة واحدة؟ هل تخيّلت أن تأتيك أخبارهم على حين غفلة! هذا تزوج، وذاك صار عنده ولدين؟ أن يأتيك خبر مرض زوجتك، ثم وفاتها بعد دهرٍ من الانتظار دون أن تحظى بلحظة فرح؟!
يطرح الأسير محمد الطوس هذه الأسئلة، كردٍ أوحد على سؤال الصحافيين الذين اكتظ بهم بيته، حول كيف عشتَ أربعين عامًا في سجون "إسرائيل"؟
يقول: "كنت أحفر صور أطفالي في ذاكرتي، كانوا يكبرون في مخيلتي طوال الوقت. لا يمكن أن أصف إحساسي وأنا أحتضن ابني البكر شادي لأول مرة منذ 39 عامًا".
ويضيف: "لم أتخيل يومًا أن يصبح هذا الحلم واقعًا. أربعون سنة في السجن، كفيلة بجعلك تستسلم لحقيقة أنك ستموت هنا، دون أن يعلم أحد بك".
تحدث الطوس عن تدهور صحة زوجته، جراء رفض الاحتلال الإفراج عنه ضمن صفقة عام 2014م، ليخرج في الصفقة الحالية، ويعانق الحرية قبل نحو شهر، بدون قيود، ولا جدران عالية. يرى السماء دون شبك ولا سجان منذ أربعين سنة قضاها من معتقل لآخر.
يعقب: "لكنها حرية منقوصة، فأنا لم أعد إلى قريتي الجعبة، التي غادرتُها شابًا في مقتبل العمر، ولم تعانق عيناي شوارع بيت لحم، لكنني نفيتُ قسرًا إلى مصر، وهو الأمر الذي قتل فرحتي في مهدها، لا سيما وأنا أرى أن ثمن الإفراج عني وإخواني الأسرى كان قاسيًا وموجعًا".
وحول التهديدات الأمريكية بالتهجير القسري أو الطوعي لسكان قطاع غزة، علق الطوس: "من شاهد أهلنا في غزة وهم يعودون أفواجًا وأمواجًا من الجنوب إلى الشمال يوم أن سمح لهم العدو بذلك، رغم أنهم يدركون عودتهم إلى بيوت مدمرة، وحياة بدون موارد، يعرف أن شعبنا لن يُنتزع من أرضه، ولن ينجح ترامب ولا غيره في تحقيق أحلامه الخبيثة".
ظروف اعتقال قاسية، وسنوات من المد والجزر وفقًا للتغيرات والظروف السياسية والأمنية لدى الاحتلال، عايشها الأسير الطوس، لكن أبشعها وأشدها قسوة مرت على الأسرى -كما يؤكد- كانت بعد السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، اليوم الذي شكل نقطة تحول سلبية في أوضاع الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، ذلك أن "إسرائيل" أبلغتهم حينها بأنها في حالة حرب مع الأسرى، وأنهم في ميدان قتال، رغم أنهم (الأسرى) عزّل من السلاح.
يتابع: "منذ ذلك اليوم والجيش الإسرائيلي أصبح يتعامل مع الأسرى في السجون من منطلق أنه لا توجد قوانين تحميهم، صادروا ملابسنا وأموالنا، ولم يتركوا لنا شيئًا، ناهيكم عن قطع الكهرباء بشكل كامل عن السجن، أما عن الطعام فحدث ولا حرج، كانوا يطعموننا ما يمكننا من البقاء على قيد الحياة فقط".
"تحمّل الأسرى كل صنوف التعذيب الوحشي، والعزل، والقمع، خاصة في الأشهر الأخيرة، حيث صار التعامل بمثابة ثأر وتدمير نفسي وجسماني طال الجميع".
تحمّل الأسرى كما يقول الطوس كل صنوف التعذيب الوحشي، والعزل، والقمع، خاصة في الأشهر الأخيرة وأثناء العدوان على غزة، حيث صار التعامل بمثابة ثأر وتدمير نفسي وجسماني لجميع الأسرى، "وقمع خارج الأعراف السابقة وقوانين سلطات السجون، وأصبح تعريضنا للموت تحت التعذيب أمرًا عاديًا، لأن سياسية المتطرفين المتدينين اليهود وعلى رأسهم بن غفير استباحت دماء الأسرى، وحرمتهم أدنى حقوقهم" يتابع الطوس.
يفتقد الأسير الطوس (70 عامًا) اليوم زوجته وشريكة كفاحه أم شادي، التي بقيت صامدة وصابرة طوال سنوات أسره، وكانت دائمًا في مقدمة الاعتصامات المطالبة بالإفراج عنه، وأبناءه الذين منعهم الاحتلال من السفر للقائه بعد سنوات عمرهم التي أمضوها بعيدًا عنه، ضمن مسلسل التنغيص والانتهاكات المتواصلة.
يخبرنا: "تمكن ابني البكر شادي من القدوم إلى مصر، وكل ما أتمناه اليوم أن تمر سنوات إبعادي سريعًا لأعود إلى وطني وأعانق أبنائي وأحفادي، ويلتئم شمل عائلتي، ساعتها فقط سأعيش بهدوء وسكينة متممًا حياتي دون أن أندم للحظة على نضالي الطويل من أجل حقوق شعبي".
























