غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ماتت قهرًا، هذا ما حدث مع أمي"، قالها عيسى المزين بحرقة، رافضًا كل من حاول تكذيب الفرضية، بقوله: "هي طاعنة في السن".
يقول: "لم تكن أمي تعاني من أي مرض، عانت فقط من تفاصيل الحياة تحت الإبادة. النزوح، والذل، وإهانة الكرامة التي قتلت روحها، قبل أن ينقطع عنها النفس".
يحكي المزين، ابن مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، عن أمه السبعينية، التي يرى أن "القهر" قتلها، يوم رأت منزلها وقد هوى أرضًا، ولم يتبق منه أثر. "ماتت أمي في اليوم الثاني لإعلان الهدنة في قطاع غزة، وقد كان حلمها طوال شهور النزوح العودة للبيت، كان البيت بالنسبة لها الوطن الذي تجد فيه راحتها واستقرارها، فلما عادت، ماتت بقلب محترق".
أكثر ما يشعر الابن عيسى اليوم بالغصة، أن والدته لم تشعر بالدفء مطلقًا في الخيمة، "وهي التي كانت تحت قدميها في منزلها مدفأة خاصة".
نزحت عائلة الحاجة المزين بعد اجتياح الاحتلال الإسرائيلي لمدينة رفح في أواخر مايو/ أيار 2024م، باتجاه مواصي خانيونس، ولم تسمح الفرصة للعائلة سوى باصطحاب القليل من الاحتياجات، "فالاستهدافات للمنطقة توالت بعد أقل من ساعة على أوامر الإخلاء" يعقب.
ورغم رفض الحاجة المزين النزوح، إلا أنها في نهاية الأمر رضخت لضغوط الزوج والأبناء، يضيف ابنها: "كان حلمها طوال الوقت أن تكحل عينيها برؤية بيتها، مأمنها وأمانها. هذا المنزل الذي وضعت فيه العائلة كل مدخرات الوالد التي تقاضاها من عمله في وكالة الغوث على مدار سنوات طوال، عمارة، كانت عبارة عن عدة طبقات، ست شقق للأبناء وطابق أرضي للوالدين".
أكثر ما يشعر الابن عيسى اليوم بالغصة، أن والدته لم تشعر بالدفء مطلقًا في الخيمة، "وهي التي كانت تحت قدميها في منزلها مدفأة خاصة".
"كانت تعيش معاناة في كل شيء، كل هذه الظروف كانت تضغط على صحتها، وبمجرد أن شاهدت صور المنزل وقد تم قصفه، أصيبت بصدمة أقعدتها".
وحين كان لأمه في غرفتها حمام خاص، وجدت نفسها مضطرة لاستخدام حمام بدائي بالاشتراك مع آخرين في مخيم النزوح. يقول: "كانت والدتي تعيش في منزل كبير، كانت تتوفر لها كل سبل الراحة، لكن كل ذلك استبدل بحياة الخيمة التي تعني انعدام الحياة والكرامة وقيمة الإنسان"، موضحًا: "كانت تعيش معاناة في كل شيء، كل هذه الظروف كانت تضغط على صحتها، وبمجرد أن شاهدت صور المنزل وقد تم قصفه، أصيبت بصدمة أقعدتها، وبدأت صحتها تتراجع بشكل متسارع حتى وافتها المنية بعد أسبوعين من وقف إطلاق النار تمامًا".
يؤكد عيسى أن والدته كانت مرتبطة بشكل كبير بالبيت، وهو ما جعل أبناءها يمهدون لها خبر قصفه تدريجيًا، "لكنها عندما عرفت سكتت. لم تقل شيئًا، وماتت قهرًا".
"كانت تحدثني وكل أمنيتها أن تعود للمنزل، وأن تجتمع بأبنائها وأحفادها جميعًا تحت سقفٍ واحد. كانت تسألني: هل سنعود يومًا لأيامنا تلك التي سرقتها الحرب، لبيتنا، لحياتنا؟".
في كثير من الأوقات -والحديث لعيسى- كانت تطلب مني أن أعيدها للمنزل مهما كان الوضع في رفح. كانت تشعر بالغربة، والحزن الشديد، كانت تفتقد أشياءها التي تركناها هناك، وتشتاق لسريرها، لجلستنا الصباحية كل يوم أمام الباب، وبين الأشجار، نتناول القهوة معًا.
ويكمل: "كانت تحدثني وكل أمنيتها أن تعود للمنزل، وأن تجتمع بأبنائها وأحفادها جميعًا تحت سقفٍ واحد. كانت تسألني: هل سنعود يومًا لأيامنا تلك التي سرقتها الحرب، لبيتنا، لحياتنا؟ كانت تمضي الليل تبكي على ما آل إليه حالنا في بعض الأحيان".
عادت اليوم أسرة أم شكري إلى رفح، لتنصب خيمتها بجانب أنقاض منزلها، بينما تطايرت أحلام أبنائها وذكرياتهم، وتفاصيلهم الصغيرة، وتحولت إلى ركام. وبرغم الألم الذي يعتصر قلوبهم على ما فقدوا، إلا أنهم يجددون رفضهم لأي دعوات تهجير، وكل ما يبتغونه اليوم، الثبات على أرضهم، يلملمون فوقها جراحهم ويحاولون البدء من جديد.
























