شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م13:39 بتوقيت القدس

حرٌ بعد 23 عامًا قضاها خلف القضبان..

علاء فرحات.. صباحٌ بلا صوت "العدّ" لأول مرة!

12 فبراير 2025 - 15:51

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

للمرة الأولى منذ 23 عامًا، يستيقظ الأسير المحرر علاء الدين فرحات على صوتٍ لا يشبه صوت السجّان، وهو ينادي اسمه في فقرة العدّ الصباحي.

للمرة الأولى، يمضي يومه دون أن يخاف "العزل" في زنازين الموت البطيء. للمرة الأولى يصحو، فيغسل وجهه، ويمسح على قلبه بصوت أذان الفجر، ويقول "صباح الخير" لمن يحبونه.

للمرة الأولى، يستيقظ، فينظر في صورة والديه، يتعمّق في ملامحهما ويبتسم، ويدعو لهما بالرحمة، دون أن يباغته جنديٌ يعكّر عليه صفو ذلك اللقاء.. وذلك الدعاء، الذي أدمى قلبه بعد أن توفيا، بينما هو هناك في غياهب المعتقل، بلا وداعٍ ولا قبلةٍ على الجبين، ولا سلامٍ لمن سبَق.

يحكي بصوتٍ يرتجف: "أخشى أن أنام فيوقظني أحد، وأكتشف أنني في حلم، ثم أصحو لأجد نفسي في كابوس السجن قابع".

فرحات، هو ابن مدينة جنين، شمالي الضفة الغربية، وقد حُكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة، قبل أن يُفرج عنه ضمن الدفعة الرابعة من المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار، بعد 23 عامًا قضاها خلف القضبان.

يقول: "من الصعب جدًا التأقلم مع حياة السجن. ما يصبّرنا فقط إيماننا بأن فجر الحرية آتٍ لا محالة".

أمضى فرحات سجنه طوال تلك السنوات، متعلمًا، محاولًا، بإرادةٍ لا تنكسر. درس الجامعة، وحصل على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، كل هذا والأمل يحدوه نحو فرجٍ قريب. "قلتُ عساها تنفعني يومًا ما، وها هو الحلم تحقق" يعقب.

توفي والدا فرحات، بينما كان معتقلًا. يحكي: "لطالما حلمتُ بأن أخرج في صفقةٍ قريبة كي أراهما. تمنيتُ طويلًا أن تمسح على رأسي أمي، وأن يعانقني أبي. أن آكل من طعام أمي الذي لم تغادرني رائحته يومًا، لكن القدر سبقني إليهما. رحمهما الله".

يحكي فرحات أن صفقة التبادل عام 2011م، التي أطلق عليها آنذاك اسم "وفاء الأحرار"، كانت سببًا في اتقاد أمله في الحرية طوال هذه المدة. يعقب: "لقد خرج مخلالها 400 أسير من أصحاب المؤبدات والأحكام العالية، وهذا وحده كان دافعًا يحركني نحو العمل والمزيد من الجهد. كنت كأنني أرى حريتي على مد البصر، ولهذا لم أيأس أو أركن لحكمي أبدًا".

"عُزل الأسرى عن العالم الخارجي، ومورس بحقهم أقسى أنواع التعذيب والتنكيل. منع عنهم الطعام والشراب، وحتى الأغطية في عز الشتاء. ملابسهم كانت تؤخذ منهم في لحظة".

يتطرق الأسير المحرر إلى حقبة ما بعد السابع من أكتوبر داخل السجن. "هنا ظهرت وحشية المحتل بشكلٍ جلي. منذ لحظات ذلك اليوم الأولى، بدأت رحلتنا في عذابٍ لم نر مثله من قبل. سنوات السجن كلها كانت قاسية وصعبة، لكن هذه المرحلة بالذات لا يمكن وصفها. كنا كأننا أموات نتنفس".

عُزل الأسرى عن العالم الخارجي، ومورس بحقهم أقسى أنواع التعذيب والتنكيل. منع عنهم الطعام والشراب، وحتى الأغطية في عز الشتاء. ملابسهم كانت تؤخذ منهم في لحظة، فيتركون في عتمة الزنزانة ورطوبتها العالية يكابدون شتاءً لا يمكن أن يصفه إلا من عاشه.

لم يخبر الاحتلال فرحات بأنه سيخرج في صفقة. "لم يرغبوا أن يروا فرحي. كانوا لآخر لحظة، ينغّصون علي حياتي. قالوا لي: جهز أغراضك فقط، وسيتم نقلك. وهنا علمتُ بأنني على باب الحرية أقف" يضيف.

كانت فرحةً ممزوجةً بالألم -يقول- "فنحن نعلم الثمن الذي دُفع من أجل هذه الحرية، وأيضًا خرجنا، ولنا في السجن من نحبه، ونتمنى أن يلحق بنا ليرى هذا العالم الذي حبستنا عنه "إسرائيل" سنوات طويلة، بهدف قتل أرواحنا، لكنا لم تستطع".

كاريكاتـــــير