غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عائدون من مقبرة جماعية إلى مجهول"، هكذا اختصرت أم عبد الرحمن الصوفي وقف إطلاق النار، وقالت: "خسرت خلال 15 شهرًا مضت ابني وزوج ابنتي، واليوم عدت ووجدت منزلي وقد سوي بالتراب".
لم تتمكن أم عبد الرحمن، من سكان مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، من التعرف بسهولة على معالم الحي الذي لم تفارقه إلا عند نزوحها قسرًا في مايو الماضي، "فكأن زلزالًا ضرب المكان واختفت كل معالمه، وقد تحولت رفح التي احتضنت ما يقارب مليون نازح، لمدينة أشباح".
تبكي المرأة وهي تحاول أن تخرج من بقايا منزلها أي شيء يحمل ذكرى لابنها الشهيد، ولكن بلا جدوى.
تقول: "لا أعرف هل أبكي من فقَدت، أم أبكي حالي وحال أطفاله ونحن لا نعرف أين سينتهي بنا الحال بعد فقدان السند والبيت!".
في شوارع المدينة، رجال ونساء لا يعرفون كيف يمكنهم الوصول إلى منازلهم، فلا المكان هو المكان ولا أي معلم يمكن أن يدل على العنوان. لقد تم تدمير الشجر والحجر وكل مقومات ومناحي الحياة في المدينة المنكوبة.
وقف أربعيني يسأل أحد المارة عن عنوان منزله الذي تاه عنه، وهو الذي ما غاب يومًا عن رفح، أجابه الرجل، أنت تقف على الدوار المقابل لمنزلك، "كيف ذلك؟" تساءل بقهر، وأضاف: "هناك تلال من الرمال، والكثير من الركام، ولا مكان صالح للحياة".
ضرب كفًا بكف، ووضع رأسه بين يديه ليخفي دموع قهر وحسرة، ثم أردف: "كنا ننتظر أن تتوقف الحرب لنعود إلى بيوتنا، لكنني لم أعثر حتى على الطريق المؤدي لمنزلي، ثم عاد أدراجه لخيمته في مواصي خانيونس".

ورغم انتظار أنوار لافي شهورًا طويلة، كي تعود إلى منزلها في تل السلطان غربي رفح، إلا أن صور الدمار الذي حل بمنزلها جعلها غير قادرة على تقبل الأمر. تعود إلى صور منزلها المحفوظة في هاتفها النقال، وتقول بحسرة: "كنت أتوق للعودة إلى منزلي الذي جهزناه بشق الأنفس، صنعنا كل تفاصيله، ولم ننتهِ من تجهيزه سوى قبل عامين، وبالكاد أكملنا تسديد أقساط بنائه وتشطيبه، وها هو أصبح كومةً من الركام".
تزيد السيدة: "ضاع كل ما حلمت به لأطفالي بحياةٍ مستقرة ومستقلة، ولا نعرف إلى متى سنبقى نعيش في خيام أفقدتنا الخصوصية والكرامة".
ولم يتمكن حسن قشطة من العودة بشكل طبيعي لمنزله في حي البرازيل، بسبب تواجد الآليات العسكرية بالقرب من المكان، ما اضطره وعدد من رفاقه لمحاولة الوصول للمخيم من جهة حي الجنينة لتفقد منزله وما حل به.

ورغم أخطار الوصول ومشقته، إلا أن الرغبة كانت عارمة والشوق جامح للبيت. يضيف: "البيت الذي افتقدناه على مدار ثمانية شهور مضت، لم يعد له وجود، عدت بخيبة أمل لمكان نزوحي في خانيونس، ولا أعرف إن كنا سنتمكن لاحقًا حتى من نصب خيمتنا على أنقاض منزلنا، أم أننا سنبقى نحمل لقب نازحين إلى أجل غير مسمى".
وقد عاد مئات النازحين من مدينة رفح إلى خيامهم في مواصي خانيونس، بعد أن فجعوا بحجم الدمار الذي أتى على معظم أحياء المدينة وحولها إلى مدينة من الركام.
وكان رئيس بلدية رفح محمد الصوفي أعلنها مدينة منكوبة، وأوضح خلال مؤتمر صحفي في رفح، أن المدينة تحولت إلى ركام وحطام بفعل العدوان الوحشي الممنهج، حيث هُجّر أهلها قسرًا، ودُمّرت منازلهم ولم يسلم حجر ولا بشر.
"المدينة تعرضت لدمار واسعٍ طال آلاف المباني، إلى جانب انهيار شبكة الطرق والخدمات الأساسية، وهو ما يتطلب معدات متخصصة".
وأوضح أن المدينة تعرضت لدمار واسعٍ طال آلاف المباني، إلى جانب انهيار شبكة الطرق والخدمات الأساسية، وهو ما يتطلب معدات متخصصة للتعامل مع هذه الكارثة في ظل غياب المعدات اللازمة.
وبيّن أن البلدية اضطرت إلى استئجار آليات من شركات خاصة بجهود ذاتية وبمساندة من المجتمع المحلي من البلدية؛ للمساهمة في فتح الطرق الرئيسة، وتسهيل عودة المواطنين إلى منازلهم.
وأضاف: "ما شهدته رفح ليس مجرد عملية عسكرية، بل فصل من فصول الإبادة الجماعة والتطهير العرقي الذي يهدف الى محو كل معالم الحياة"، مردفًا: "لقد أبيدت أحياء بكاملها ودمرت البنية التحتية وجرفت الشوارع وأصبحت المدينة غير صالحة للحياة".
























