غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يرقد الطفل الرضيع أيمن أبو شبيكة على سرير العناية المركزة في قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي في خانيونس، بينما تُراقبه عمته بعيون مُشبعة بالخوف والرجاء.
تمر اللحظات على قلبها ثقيلة بين قلقٍ ودعاء أن يعطي الله فرصة جديدةً لأيمن الذي يعيش معركةً صامتةً مع "الالتهاب الرئوي الحاد"، كي يقف على قدميه، ويعود إلى ساحات اللعب مع أقرانه الصغار.
بدأت أعراض المرض عند أيمن (عام وشهرين) بارتفاعٍ شديد في الحرارة، وسعال حاد، يُصاحبه بكاء مُستمر، وفُقدان للشهية. تقول عمته: "عرضناه على عدة نقاط طبية، لكن لا تحسن طرأ على حالته".
أجريت لأيمن العديد من الصور الإشعاعية، تبين فيها تراكم الصديد على رئته اليمنى، وهنا تقررت له عملية جراحية لاستئصال الأنسجة التالفة.
بعد التشخيص الأولي للحالة، تم تحويل أيمن من المشفى الأردني لقسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي، الذي اضطر الأطباء فيه إلى إدخاله غرفة العناية المركزة على الفور لسوء حالة تنفسه.
وبات "الالتهاب الرئوي الحاد" منتشرًا بين الأطفال -لا سيما الرضع- وبشكلٍ كبير في قطاع غزة، نتيجة تبعات حرب الإبادة، التي شنتها "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول للعام 2023م.
تشرح العمة: "خضع أيمن لعلاجات كثيرة، وأُعطي مضادات حيوية قوية ومتنوعة دون جدوى. أجريت له العديد من الصور الإشعاعية والتلفزيونية، تبين فيها تراكم الصديد والالتهاب في رئته اليمنى، وهنا تقررت له عملية جراحية لاستئصال الأنسجة التالفة منها".
ووفقًا للطبيب محمد عابد، أخصائي طب الأطفال، ورئيس قسم العناية بهم في مجمع ناصر الطبي، فإن "عددًا كبيرًا من الأطفال بغزة باتوا يعانون التهابًا رئويًا شديدًا، وهو مرض كان موجودًا قبل الحرب، لكن الحالات ازدادت أضعافًا خلال الأشهر القليلة الماضية".
ويوضح عابد أن المصابين بهذا المرض، غالبًا يحتاجون إلى عمليات جراحية، من أجل تنظيف الرئتين من الصديد المتراكم عليهما عبر أنبوب خاص، يبقى في جسم الطفل لحين اختفاء الصديد تمامًا، قائلًا: "تبدأ الأعراض بارتفاع شديد في الحرارة، والسعال الحاد، وفي بعض الحالات يعاني المريض أيضًا ضيقًا في التنفس، بينما يكون هناك عدم استجابة في الكثير من الحالات للعلاجات والمضادات الحيوية".
وأضاف: "قبل الحرب كانت تصلنا حالة أو حالتين خلال الشهر، لكن اليوم، تصلنا أكثر من خمسين حالة شهريًا تحتاج خمسة منها على الأقل لتدخلات جراحية، وهو الأمر الذي يشير إلى تبعات الحرب الصعبة على الأطفال، تحت أطنان الصواريخ المحملة بالمواد السامة، وركام البيوت المتناثرة، والتلوث الكبير في الهواء والماء".
الطبيب عابد: "الصواريخ التي تستهدف القطاع، تحمل إشعاعات تؤثر على جهاز المناعة بشكل سلبي، كما تشكل عبئًا على الرئتين وتؤثر على كفاءة الجهاز التنفسي عمومًا".
ووفقًا لعابد، فإن القنابل والصواريخ التي تنهمر فوق رأس القطاع منذ أكثر من 15 شهرًا، تحمل إشعاعات تؤثر على جهاز المناعة بشكل سلبي، كما تشكل عبئًا على الرئتين وتؤثر على كفاءة الجهاز التنفسي عمومًا، "ناهيكم عن المجاعة وسوء التغذية، وغياب الفواكه والخضار واللحوم والمجمدات، وعدم توفر المكملات الغذائية التي تعوض كل ذلك حتى".
وتطرق إلى تعمد الاحتلال الإسرائيلي تأخير دخول شاحنات الأدوية، ومُكوثها فترات طويلة على المعابر، "وهو الأمر الذي أثر على فاعلية الأدوية و المضادات الحيوية"، مضيفًا: "إن تدمير الاحتلال لمختبرات التحاليل الطبية، تسبب بعجز الكوادر الطبية عن تحديد ومعرفة نوع البكتيريا وطبيعة الالتهابات، وأسباب عدم استجابة الحالات المرضية للمضادات الحيوية المُتاحة".
في ذات السياق حدثتنا والدة الطفل محمد سمحان، وتدعى آلاء، عن الظروف التي توفي بها نجلها محمد، البالغ من العمر 4 سنوات، حيث كان يُعاني من فايروس الالتهاب الرئوي الحاد، ومكث في المشفى أكثر من شهر، وخضع لعدة "كورسات" علاجية، لكنه لم يتحسن وتوفي.
وكانت عائلته، ناشدت منظمة الصحة العالمية ومؤسسات حقوق الإنسان بضرورة عمل فحوصات وتحاليل بمختبرات خارج غزة، لكنه توفي قبل أن يتم تحويله "بسبب المماطلة، ومحدودية الأعداد التي يسمح لها الاحتلال الإسرائيلي بالخروج، وتحكمه بمعابر غزة".
وتُشير إحصائيات قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي إلى أنه، وخلال الخمسة أشهر الماضية سجل القسم قُرابة 613 حالة التهاب رئوي، أي ما يُقارب من 50 إلى 90 حالة شهريًا، بواقع 5 حالات شهريًا تحتاج لتدخل جراحي.
























