غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
اقتربت من أمها بتؤدة، نظرت إليها نظرةً -تقول الأم إنها كسرت قلبها- بكت، وأضرمت في قلبها حريق الشوق عندما صارت تردد: "يا ماما والله اشتقت لبيتنا. لسريري. لألعابي. لكتبي. لألواني. اشتقت أشوف حالي بالمراية وأنا بضحك".
بعد ما يزيد على 400 يومٍ من النزوح القسري، ما بين أقصى جنوبي القطاع ووسطه، استقر المآل بعائلة الطفلة شام بعلوشة (8 سنوات) في خيمةٍ بالمنطقة المعروفة بـ "فش فريش" جنوب غربي خانيونس.
أقام زوجها هناك خيمةً بعد نزوحه الأخير من رفح، في مطلع مايو/ أيار الماضي. وبدأت منذ ذلك الحين صنوف المعاناة تلاحق الطفلة الصغيرة وأشقاءها، وهم الذين كانوا قبل الحرب يعيشون رفاهية الحياة في بيتهم، ووسط عائلتهم المحبة.
وفي الوقت الذي يحيي فيه العالم -اليوم- يوم الطفل العالمي، تقول أم شام، واسمها ضحى بعلوشة لـ"نوى": "أقرأ في وجوه أطفالي الأسى. الظروف التي يعيشون فيها ليست أبدًا ظروفًا إنسانية. لقد فقدوا كل شيءٍ في لحظةٍ واحدة، وبدأوا يعيشون صنوف العذاب المر فوق رمال الخيمة".
لا يفتأ أطفال ضحى، يذكرون بيتهم ومدينتهم في شمالي القطاع. "كل يوم يسألني أحمد وشام عن موعد العودة للمنزل. يا للأسف لا أملك إجابة يمكن أن تطمئنهما، بل أحتاج مثلهما تمامًا لمن يخبرني الحقيقة ويطمئن قلبي".
تشير إلى أطفالها الثلاثة: "بعد ما يزيد على عام من الحرب المستمرة، لم تعد ملابس أطفالي صالحة. لقد خرجنا ببضع قطع من الملابس ظنًا منا أننا سنعود خلال أيام"، ملفتةً إلى أن هذا أكثر ما يجعلهم دائمي الحنين إلى المنزل، ولكل ما فيه من حياه وذكريات.
أمام خيمةٍ قريبة، تجلس الطفلة لورين، وشقيقتها سعاد وشقيقها أنس في انتظار والدهم الذي وعدهم أنه سيحضر لهم أشياء لذيذة في طريق عودته من وسط القطاع.

في أثناء ذلك، دار حول بين سعاد وأنس وهي التي تكبره بعدة سنوات. سألها: "متى ممكن نرجع بيتنا؟ معقول تخلص الحرب ونرجع؟ فتجيبه: ممكن نرجع بيوم قريب. ليرد عليها: كتير اشتقت للبيت، ولأولاد عمي، ولمدرستي وأصحابي، فتعاود الإجابة بعد تنهيدةٍ عميقة: "خلينا ندعي ربنا أنه نرجع ونترك حياة الخيم".
ولا تنسى سعاد عامًا قضته برفقة أسرتها تتنقل من مكان إلى مكان هربًا من شبح الموت الذي يستهدف المدنيين في كل مكان، حتى استقر بهم الحال في مواصي خانيونس.
كثيرة هي المواقف التي ما زالت عالقة في ذاكرة سعاد وأحلامها، عل أبشعها خروجهم من عبر الحاجز العسكري من مستشفى الخير بخان يونس بعد اقتحامه من قبل جيش الاحتلال.
وكل ما تتمناه سعاد وشقيقها أنس انتهاء الحرب والعودة الآمنة لمنزلهم أو ما تبقى منه، تردف: "حتى لو مقصوف، بكفي أنه نكون فيه، وإن كان ركام".
تقول: "مشينا طوال الليل نحو رفح، وكانت والدتي لا تعرف إلى أين يمكننا أن نذهب؟ أمضينا الليلة في الشارع، وكنا قد نجونا بأرواحنا من المبنى المقابل للمستشفى، الذي قصف واحترق بالكامل بكل ما فيه. حتى ملابسنا وفراشنا احترق بالكامل".
وكل ما تتمناه سعاد وشقيقها أنس انتهاء الحرب والعودة الآمنة لمنزلهم أو ما تبقى منه، تردف: "حتى لو مقصوف، بكفي أنه نكون فيه، وإن كان ركام".
واستبدلت حياة أطفال غزة، التي يفترض أنها تتناسب مع سنهم، بحياة شقاءٍ لا تشبه أبدًا أعمارهم ولا قدراتهم. يعيشون في الخيام وسط ظروف صحية صعبة، يلهبهم حر الصيف، ويقرصهم برد الشتاء، وبدلًا من الاستيقاظ باكرًا من أجل الوصول للمدرسة وقضاء الوقت باللعب مع الرفاق، صارت الاهتمامات مختلفة، مرتبطة بالبقاء على قيد الحياة كاللهاث خلف عربة المياه، أو الاصطفاف لساعات في الطوابير الطويلة. يعانون ويلات النزوح المتكرر، تحت الاستهداف المباشر والمتواصل من قبل جيش الاحتلال، في ظل حرب إبادة لا تستني أحد.
























