شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 25 ابريل 2026م00:54 بتوقيت القدس

ينقل طلبة من مسافر يطا بعد مصادرة الاحتلال حافلتهم..

"جرّار" يحمل أمنياتٍ صغيرة.. على طريق "التوانة"!

12 نوفمبر 2024 - 12:00

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تمسك الطفلة "قمر" بخوفٍ قضبان عربةٍ حديديةٍ يسحبها "جرار زراعي"، على عكس "آية" التي تتعامل مع العربة التي كانت تتمايل مع تعرجات الطريق ومطباته على أنها لعبة ملاهي!

تقفزُ آية بفرحٍ وهي ترفع يديها، وكأنها تتحدى الجاذبية، التي تقذف بها يمينًا ويسارًا، هكذا حتى تصل المدرسة!

هذا التجاور غير المألوف لمشهدين متناقضين، يعكس في الحقيقة واقعًا مؤلمًا يعيشه سكان منطقتي المفقرة وخلة الضبع، في مسافر يطا جنوبي مدينة الخليل، حيث تضطر الطفلتان إلى خوض هذه الرحلة الشاقة يوميًا؛ للوصول إلى المدرسة، في ظل ظروفٍ تفوق بقساوتها غالبًا، صعوبة الركوب في هذه العربة.

قمر وآية ونحو 40 طالبًا غيرهما، تقلهم عربة المواطن رائد حمامدة الذي تطوع لنقل طلبة المنطقتين المذكورتين، إلى مدرسة "التوانة" المختلطة، التي تبعد بين كيلومترين، وأربعة كيلومترات عن منازلهم، بواسطة جراره الزراعي الذي ترتبط به عربة حديدية. 

ولعل ألم العربة أخف الآلام بالنسبة لهؤلاء الأطفال، إذا ما قورن باعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال! يقول حمامدة لـ"نوى": "يعترض المستوطنون على الدوام طريق الأطفال ويخيفونهم. تطوعت لنقل الطلبة بعد مصادرة السيارة المخصصة لنقلهم من قبل الاحتلال، ومع ذلك لا نسلم من اعتراض سيارات المستوطنين طريقنا، وهذا دفع أهالي القرية إلى توزيع الرجال على طول الطريق لحماية الأطفال أثناء مرورهم".

حتى هذه العربة البسيطة لم تسلم من تهديدات المصادرة من قبل قوات الاحتلال، لذا لجأ أهل القرية إلى شراء بعض الدواب احتياطًا؛ كي يتمكنوا من نقل أطفالهم إلى المدرسة في حال صودرت العربة -وفق رائد.

مدرسة "التوانة" المختلطة تخدم ما يقارب 300 طالب من مختلف الأعمار، بدءًا من سن السادسة وحتى 18 عامًا. هؤلاء الطلبة يأتون من مناطق مختلفة مثل المفقرة وخلة الضبع، ومنطقة الطوبا التي اضطر طلبتها إلى الالتحاق بمدارس أخرى بسبب تزايد اعتداءات المستوطنين، التي باتت تشكل خطرًا كبيرًا على سلامة الأطفال وصحتهم النفسية.

"لا مكان آمن لا في المدرسة ولا في البيت ولا حتى في الطريق بينهما"، يروي معتز حمامدة طالب الثانوية العامة في المدرسة المذكورة، ويضيف: "في إحدى المرات أوقفونا ومنعونا من الذهاب إلى المدرسة، وحطّموا أثاث الصفوف".

ويتابع معتز البالغ من العمر (18 عامًا): "لم أعد أخاف المستوطنين وهجماتهم، لكنني أخشى على الأطفال الأصغر سنًا بسبب التأثير النفسي لهذه الاعتداءات".

ابنة رائد حمامدة، البالغة من العمر ست سنوات، فقدت النطق نتيجة هجومٍ للمستوطنين، ومع ذلك، يصر رائد على استمرار ذهابها إلى المدرسة، قائلًا: "ابنتي فقدت النطق وما زالت تتلقى العلاج، وبعض الأطفال نتيجة الخوف يصابون باضطرابات نفسية ويبدأون بالتقيؤ".

يؤكد محمود مخامرة، المعلم في "التوانة" الحديث، فيخبرنا، أن طفلةً في صفه ينتابها الخوف الشديد عند إغلاق الباب بسبب كثرة تعرُّضها لمشاهد اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال. "الاعتداءات تطال الجميع، طلبةً ومواطنين ومعلمين" يقول، مضيفًا: "معلمو المدرسة القادمين من مدينة يطا يضطرون للسير مسافات طويلة من أجل الوصول إلى المدرسة، ويتعرضون للتفتيش المستمر من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين الذين يرتدون الزي العسكري، مما يؤخرهم عن المدرسة، ويؤثر بشكل كبير على سير العملية التعليمية".

مدرسة التوانة، التي تقع مقابل مستوطنة "ميعار"، تُعدُّ واحدةً من خمس مدارس في مسافر "يطا" المحاطة بالمستوطنات، وبما يقارب 13 بؤرة استيطانية أُنشئت بعد السابع من أكتوبر 2023م، وفقًا لما ذكره لـ"نوى" منسق اللجان الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جنوبي الضفة الغربية، راتب جبور.

وحسب الجبور، فإن "هذه المدارس تعاني بشكل مستمر، فمدرسة أميرة مثلًا سُوّيت بالأرض، إضافة إلى مدرسة خلة الضبع التي هُدمت مرتين! ومدرسة أم قصّة التي ما زالت مهددة بالهدم".

رغم ذلك يصر أطفال "التوانة" وأهاليهم في مسافر يطا جنوبي الخليل على الصمود والمثابرة؛ للوصول إلى حقهم البسيط في التعليم، متشبثين بأملٍ صغير، يقودهم نحو مستقبلٍ أكثر أمنًا، وحياةٍ أكرم.

كاريكاتـــــير