شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 25 ابريل 2026م00:50 بتوقيت القدس

حواجز تلفُّها وتصادر "حق التنقل"..

كل الطرق في الخليل تؤدي إليها.. "مُغلقة"!

07 اكتوبر 2024 - 14:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"من الخليل إلى رام الله"، هذه كانت خطة علي سليم "لولا الاحتلال"، الذي أرجعَ سيارةً تحمل ستةً من المُحبَطين -بينهم السائق- أدراجهم، بعد ساعةٍ من المحاولات والتنقل بين الحواجز.

كان علي قد قرر التوجه من منزل والده في الخليل إلى عمله في رام الله، وعلى غير عادته استقل المواصلات العامة. انطلقت السيارة من "دورا" غربي المدينة نحو مدخل الخليل الشمالي، "حيث كان السائق منذ اللحظة الأولى التي أدار بها المفتاح يردد: يا رب سهّلها، حتى وصل إلى "رأس الجورة"، ففوجئ ببوابة صفراء جديدة، تحيط بها مكعبات إسمنتية".

بدأ الركاب يوجّهون عيونهم ناحية السائق كأنهم يسألونه عن "حل"، لكن الأخير لم تكن لديه إجابة، فاكتفى بأن تنهّد بصمت "وكأنه كان يتوقع ذلك" يقول علي.

أدار الرجل المحرك، وتوجه إلى المخرج الآخر غربي المدينة "فرش الهوى"، فإذ ببوابةٍ أخرى تشبه الأولى تغلقه! التقط السائق هاتفه، وأرسل رسالة صوتية لزميله يستفسر عن حالة آخر الطرق، لكنه لم يحصل على معلوماتٍ مؤكدة.

بدا التوتر واضحًا على وجوه الركاب، وعلي لم يكن استثناءً؛ فلكلٍ منهم التزاماته، سواءً في العمل أو الجامعة، "والعامل الزمني بات مهمًا بسبب طول الطريق".

في محاولة أخيرة، توجه السائق نحو المدخل الغربي لبلدة ترقوميا، المؤدي إلى الشارع الالتفافي الاسرائيلي، فإذا به يصطدم بواقعٍ مُماثل: "الطريق أيضًا مغلق".

 في محاولة أخيرة، توجه السائق نحو المدخل الغربي لبلدة ترقوميا، المؤدي إلى الشارع الالتفافي الاسرائيلي، فإذا به يصطدم بواقعٍ مُماثل: "الطريق أيضًا مغلق".

عاد السائق بمركبته ومَن فيها إلى نقطة البداية بعد أن لعن الاحتلال ألف مرة، في حين عقد الركاب العزم على المحاولة في اليوم التالي. يعلق الشاب بمرارة: "من يدري لعل مزاج أحد الجنود يتغير في الغد، فيفتح البوابة".

ويعاني أكثر من 835 ألف مواطن داخل مدينة الخليل من إغلاق الحواجز، الذي تفاقم منذ الحادي والثلاثين من أغسطس/آب الماضي، عقب إطلاق شابين فلسطينيين النار باتجاه مركبة لشرطة الاحتلال الإسرائيلية بالقرب من مدينة ترقوميا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود.

"منذ ذلك الحين، أي زيارة للمدينة، أو تفكير بالخروج منها، يمثل ثِقلًا على قلوب المواطنين، لا سيما الطلبة، الذين خرجوا إلى جامعاتهم قبل بدء الدراسة بأيام، لضمان مزاج الجنود" تخبرنا آسيا الدرابيع من مدينة دورا- الخليل، وهي طالبة علاقات دولية في جامعة بيرزيت.

تؤكد آسيا أن زياراتها لعائلتها في الخليل قلّت بشكل كبير بعد العدوان على قطاع غزة. وتقول: "أراهم كل أسبوعين مرة، وأفكر كثيرًا قبل الإقدام على هذه الخطوة بسبب سوء الحواجز المحيطة بالمدينة".

عندما يجد السائقون كل الطرق مغلقة -والحديث لآسيا- يمكن أن يلجؤوا إلى طرق صعبة وغير معبدة. قد يستغرق الأمر ساعات، "وهذا يعني تأخُّرنا عن محاضراتنا، وضياع يومنا سدى".

وتزيد: "الدقيقة الواحدة على الحاجز كأنها ساعة أو أكثر. الجنود يتعاملون بهمجيّة وتوحش، ويبثّون الرعب في قلوب المواطنين بحملات التفتيش والاعتقالات، التي بلغ عددها في الخليل فقط أكثر من 1100 حالة اعتقال". 

"أرى عائلتي كل أسبوعين مرة، وأفكر كثيرًا قبل الإقدام على هذه الخطوة بسبب سوء الحواجز المحيطة بالمدينة".

وتصف مشهدًا كانت على شبه يقينٍ بأنها لن تعود بعده إلى أهلها حية، فتقول: "على حاجز بيت أُمر، أحد الجنود على الحاجز لم يعجبه سائق السيارة، فبدأ بإطلاق النار بشكل عشوائي لإخافتنا دون أي سبب. كانت هذه أول مرة أرى فيها الرصاص من  مسافةٍ قريبةٍ جدًا، شعرت لحظتها بالخوف الشديد من أن تصيبني رصاصة طائشة".

معاناة على كافة الأصعدة، جعلت الكثير من الطلبة كآسيا، يشعرون بالندم لاتخاذ قرار الدراسة خارج المدينة. براءة التوايهة من مدينة حلحول- الخليل على سبيل المثال.

تكمل براءة دراستها في تخصص الخدمة الاجتماعية بجامعة بيت لحم، وتمر يوميًا على ثلاثة حواجز لتصل إلى مدينة بيت لحم، تعيش على كل منها مشاعر الإهانة، والذل والخوف الشديد.

"بعد انتهاء دوامي أجلس وأبكي لأني أعلم ما سيواجهني وأنا عائدة إلى المنزل. أضطر لرؤية الجنود يوميًا وهم ينظرون إلينا كأن ليس من حقنا أن نعيش"

تقول: "الحواجز أثرت على نفسيتي بشكل كبير. يوميًا بعد انتهاء دوامي أجلس وأبكي لأني أعلم ما سيواجهني وأنا عائدة إلى المنزل".

وتضيف: "أن أضطر لرؤية الجنود يوميًا وهم ينظرون إلينا كأن ليس من حقنا أن نعيش، هذا وحده يدمر النفسية، فما بالكم لو اضطررتم للنزول بالقرب من برج عسكري، وبدأ الجنود بتصويب أسلحتهم نحوكم لتخويفكم؟".

الحال لا يقتصر فقط على الخارجين من المدينة، فالمواطنين الذين يتنقلون داخلها يعيشون الحال ذاته، حيث بلغ عدد الحواجز في قلب مدينة الخليل، بعد السابع من أكتوبر، في مساحةٍ تبلغ أقل من كيلو ونصف كيلو متر مربع، أكثر من 110 حواجز، بعد أن كانت 95 حاجزًا، "منها 22 حاجزًا ضخمًا" بحسب وصف عماد أبو شمسية رئيس تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في فلسطين.

يقول أبو شمسية لـ"نوى": "الحواجز الضخمة هي التي يُفرض عليها التفتيش المستمر، وتقيد المواطنين لساعات سواءً من أجل الدخول إلى المدينة أو الخروج منها".

وتبعًا له، يبدأ عمل الجنود على تلك الحواجز من الساعة السادسة والنصف صباحًا حتى الساعة التاسعة ليلًا، "وأي تأخير  للمواطنين بعد ذلك، يعني أنهم لن يمروا أو يصلوا إلى منازلهم" يضيف.

ويتابع: "بعد بدء العدوان على غزة، بدأت إجراءات جديدة للاحتلال ازدادت وحشيةً وحِدة على الحواجز، حيث اتبع الجنود سياسة التنكيل والإذلال بشكل واضح تجاه المواطنين"، مبينًا أنهم يفرضون عقوبات جماعية على أهل الخليل، بدءًا بالإغلاق الكامل للمداخل، والتحكم بأوقات المواطنين وحياتهم عبر تحديد مواعيد فتح الحواجز وإغلاقها، والتفتيش المستمر للمركبات.

بدوره، يؤكد المحامي فريد الأطرش، مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان جنوبي الضفة الغربية، أن "هذه الحواجز غير قانونية، وتخالف حق المواطنين في حرية الحركة والتنقل، الذي تدعمه كافة القوانين الدولية".

وبرغم أن الحواجز الإسرائيلية، تعبث بشكل الحياة في الضفة الغربية عمومًا، وفي الخليل على وجه الخصوص، إلا أن المواطنين هناك، لا يجدون أمامهم خيارًا إلا الصمود والإصرار على التحدي، "لأن الركون للأمر الواقع لا يصنع إلا الهزيمة" بإجماع الطلبة الذين قابلتهم "نوى".

كاريكاتـــــير