شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:14 بتوقيت القدس

حاجز "نتساريم" يفصل بين آباء وأطفالهم..

غزة.. بين الشمال والجنوب لهيب "شوق" ولوعة!

11 سبتمبر 2024 - 15:04

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بالنسبة للشاب محمد عويضة (٣٧ عامًا)، الذي يقطن في أحد مخيمات النزوح بدير البلح وسط قطاع غزة، فإن وقف الحرب الإسرائيلية، يعني تحقيق حلمه بلقاء طفلته "زينة".

ولدت زينة قبل نحو ثمانية أشهر شمالي القطاع، لكن والدها لم يكن بقربها، ولم يحظَ برؤيتها أو عناقها حتى اللحظة. ومع انعقاد كل جلسة تفاوض جديدة، يشتعل داخل قلبه الأمل، بأن تُفضي النتائج هذه المرة إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار.

بدأت الحكاية، عندما شرعت دولة الاحتلال بتهجير الفلسطينيين من مدينة غزة وشمالي القطاع، عبر أوامر إخلاء متوالية لمناطق وبلوكات معينة، لكن عويضة صمم على البقاء في منزله بمدينة بيت لاهيا برفقه عائلته، ورفض تمامًا فكرة النزوح إلى الجنوب، لولا أن جيش الاحتلال اعتقله، واقتاده إلى سجونه في الداخل المحتل.

يقول عويضة لـ"نوى": "كانت زوجتي آنذاك حاملًا بطفلتنا الأولى. قضيتُ ثلاثة أشهر معتقلًا وتجرّعت كافة صنوف العذاب، وسط تفكيرٍ مستمرٍ بما حل بزوجتي الحامل، والطفلة التي في أحشائها أيضًا".

وأوضح أن زوجته وضعت مولودتها خلال وجوده في السجن، ولما أفرج عنه جيش الاحتلال، تركه مع مجموعةٍ من الأسرى المحررين عند معبر كرم أبو سالم جنوب القطاع، ومنذ ذلك الحين وهو يتنقل بين بلدات الجنوب ومخيمات النزوح فيه، بينما قلبه وعقله في الشمال، أسير الأمل وحلم انتهاء الحرب.

"رأيتُ طفلتي، أول فرحتي لأول مرة باتصال فيديو. بكيتُ يومها فرَحًا وقهرًا، وتمنيتُ لو أنني ألمس خدها، أو أسمع صوتها أو احتضنها".

يضيف: "رأيتُ طفلتي، أول فرحتي لأول مرة باتصال فيديو. بكيتُ يومها فرَحًا وقهرًا، وتمنيتُ لو أنني ألمس خدها، أو أسمع صوتها أو احتضنها".

عويضة ليس الحالة الوحيدة، التي أجبرتها الحرب قسرًا على الانفصال عن العائلة والأطفال، فغيره كثر، ممن تشتت شملهم بين شقي القطاع، الشمالي والجنوبي.

وأرسل الشاب محمد منير من مخيم جباليا زوجته الحامل وطفلته إلى بيت عائلتها في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة في أول أيام الحرب، بينما بقي هو في الشمال، ثم وضعت زوجته طفلهما دون أن يتمكن من احتضانه حتى اللحظة.

وقال منير لـ"نوى": "عندما أرسلت زوجتي إلى عائلتها جنوبًا، كان من المقرر أن ألحق بها بعد أيامٍ قليلة، ولكن كان جيش الاحتلال قد قطع الطريق بين شمالي القطاع وجنوبه فجأة".

وأشار إلى أنه كان يخشى المرور عبر حاجز "نتساريم" الذي أقامه جيش الاحتلال خشية اعتقاله، مضيفًا: "بالنسبة لي، يوم الحرب الذي يمر هو بمثابة عامٍ كامل. أنا انتظر بلهفة كبيرة إعلان وقف إطلاق النار من أجل احتضان طفلي الأول، الذي أطلقتُ عليه اسم عادل، تيمّنًا بوالدي الذي استشهد في هذه الحرب".

وقالت هناء أبو دقة زوجة الشاب منير لـ"نوى": "كان أسوء ما في هذه الحرب هو أن أضع مولودي بعيدًا عن والده، الذي يعيش مجاعةً قاسيةً في الشمال".

وأوضحت أنها تتحمل مسؤوليات مضاعفة في إعالة طفلها وتوفير احتياجاته الأساسية، في ظل غياب الأب ووسط حالة من النزوح المتكرر.

"يجب أن تنتهي هذه الحرب من أجل السماح للعائلات بالاجتماع مع بعضها مجددًا. هذه الحرب فرقت الأسر، وفصلت الأزواج عن زوجاتهم، وأبعدت الأطفال عن آبائهم".

وأضافت أبو دقة: "يجب أن تنتهي هذه الحرب من أجل السماح للعائلات بالاجتماع مع بعضها مجددًا. هذه الحرب فرقت الأسر، وفصلت الأزواج عن زوجاتهم، وأبعدت الأطفال عن آبائهم".

وبينما لا تتوفر إحصاءات حول أعداد المواليد الذين ولدوا بعيدًا عن آبائهم فحرمتهم الحرب من رؤيتهم واحتضانهم، تسجل الجهات الرسمية نحو 180 حالة ولادة يوميًا في قطاع غزة، تتم في ظروف غير طبيعية، مع نقصٍ حادٍ في الإمكانات الطبية.

وكان صندوق الأمم المتحدة للسكان، قال: "إن سوء التغذية بقطاع غزة يشكّلُ خطرًا كبيرًا على الحوامل وحديثي الولادة، وسط تزايد ولادة أجنّة ميّتين، وأطفال منخفضي الوزن يعانون الهزال وتأخر النمو".

وأفادت منظمة "كير" الدولية بأن النساء الحوامل في ‌غزة، يتعرضن إلى مخاطر الإجهاض والوفاة أثناء الولادة بنسبة ثلاثة أضعاف عما كان عليه قبل الحرب، فيما يوجد حاليًا أكثر من 50,000 امرأة حامل في غزة.

وقال الخبير النفسي والاجتماعي إياد الشوربجي لـ"نوى": إن الحرب ألقت بمسؤوليات مضاعفة على كاهل النساء، خاصةً اللواتي أُبعدن عن أزواجهن قسرًا إما باستشهاد الزوج أو اعتقاله أو بالانفصال عنه.

وأوضح الشوربجي أن أولئك النساء يتجرعن مرارة الحرب بقسوة، ويخاطرن بحياتهن في سبيل إطعام أطفالهن، وسط ندرة في الغذاء والوقود والأدوية والمياه، "حتى أضحت الأسر التي تعيلها نساء، تكافح من أجل البقاء" يضيف.

ولفت النظر إلى أن النساء الحوامل اللواتي يضعن أطفالًا جدد، بعيدًا عن أزواجهن خلال الحرب، هن صاحبات معاناة استثنائية.

ويتابع الشوربجي: "تبدأ هذه المعاناة من فقدان الشعور بالأمان، مرورًا بالشعور بتحمل مسؤوليات مضاعفة، وليس انتهاءً بالقيام بأعمال كانت ملقاة على كاهل الأزواج، مثل تعبئة المياه والبحث عن الغذاء والبحث عن عمل لتوفير دخل، خاصةً في ظل ظروف لا تسمح بإرسال الأموال بين شمالي القطاع وجنوبه".

وأشار الخبير النفسي والاجتماعي إلى أن النساء اللواتي يُعِلْن أطفالًا خلال الحرب، تُرِكنَ وحيدات دون وجود أي جهات رسمية أو أهلية تساعدهن على الصمود والنضال، مشددًا على ضرورة تشكيل حاضنةٍ أهليةٍ تهتم بهن.

كاريكاتـــــير