شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م14:57 بتوقيت القدس

مسرح "مهدي كريرة" في مخيمات النزوح

دمى من "المعلبات" تحكي للأطفال قصة غزة!

10 سبتمبر 2024 - 12:14

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تنفرج أسارير الفنان مهدي كريرة، كلما لمَحَ ابتسامات الأطفال أثناء تقديم عروضه المسرحية المتنقلة، بين مخيمات النزوح وسط وجنوبي قطاع غزة.

كريرة (42 عامًا)، فنانٌ شغوفٌ بصناعة دمى "الماريونيت"، وقد تمكّن عبر سنواتٍ مضَت من ترك بصمة في مسرح العرائس بمدينة غزة، متخذًا من إحدى غرف منزله ورشة لتصنيعها، ويعرّف نفسه بأنه يعمل في مسرح الدمى، ومدرب في التعلم النشط عبر التربية الإنمائية، والتعلم اللامنهجي بشتى أشكاله وأنواعه.

أُجبر "كريرة" كما معظم سكان قطاع غزة، على خوض تجربة النزوح المريرة لمرات عديدة، كان آخرها النزوح نحو مدينة دير البلح، بعد أن تم قصف منزله وورشته.

ويصف كريرة تجربة المرور عبر الحاجز العسكري، بأنها كانت من أصعب الدقائق التي عاشها، بعد أن كاد الجيش يعتقل أحد أبنائه. يقول: "على هذا الحاجز ألقينا بكل الحقائب التي كانت معنا ونجونا بأرواحنا فقط".

وبرغم أن كريرة خرجَ بدون أي أدواتٍ تخصُّ عمله في دمى العرائس، ومرَّ بتجارب قاسية بعد النزوح لا سيما تلك التي اضطر أن يسكن خلالها في الشارع لأيام، بظروف غير إنسانية بالمطلق، إلا أن شغف العمل في مسرح العرائس بدأ يلح عليه من جديد.

"أن أصنع دمية، لكن كيف؟ كان الأمر أشبه بالحلم في ظل شح المواد الخام والأدوات وانقطاع الكهرباء" يقول، مضيفًا: "ناهيكم عن حالة الخوف المستمرة في ظل القصف والاستهدافات المتواصلة".

شغف كريرة بصناعة الدمى أوجد في قلبه رغبةً لتجاوز كل تلك المعيقات، فبدأ بالبحث عن بدائل فكانت المعلبات ومخلفات الحرب.

ورغم أن كل شيء حوله كان حزينًا وموجعًا، إلا أنه حاول صناعة أجواء المرح عبر صناعة أول دمية.

يعقب: "بعدها انطلقت لصناعة دمى أخرى، وفي حينها لم يكن لدي أي هدف سوى الخروج بأولادي من حالة التوتر الناجمة عن حرب الإبادة"، مبينًا أن العمل بهذا المجال في وقتٍ يتواصل فيه القصف والخوف والنزوح من مكانٍ لآخر، هو أمرٌ في غاية الصعوبة.

ويكمل: "أضف إلى ذلك عدم وجود الكهرباء، أو أي مقوم من مقومات افتتاح الورشة أو أدوات العمل. عملتُ في ظل عدم وجود استراتيجية واضحة، في وقت ما زالت فيه حرب الإبادة الطاحنة مستمرة".

بعد أن نجح كريرة في صناعة عدد من الدمى، بدأ يفكر بشكل جدي بضرورة العمل على تقديم عروض مسرحية ترفيهية تحمل أفكارًا توعوية في ظل الوضع الراهن، وفقدان منظومة التعليم والعمل المؤسساتي، لا سيما وأن أطفالنا أصبحوا يعيشون واقعًا مخالفًا تمامًا يضاف لحرب الإبادة، ويتمثل بحروبهم اليومية في محاولة البقاء على قيد الحياة، "من خلال جمع الحطب، والحصول على الماء والطعام، ومواجهة كل الضغوطات الحياتية المصاحبة للحرب، والحياة في مخيمات النزوح".

ما أن انطلق العرض المسرحي حتى بدأت الهمهمات والابتسامات والتعليقات من الجمهور كبارًا وصغارًا. بعضهم أبدى انبهاره بكيفية تحول المعلبات الفارغة إلى دمى تحركها خيوط، حتى أن إحدى الطفلات طلبت أن تأخذ معها دمية لتنام في فراشها ولو لليلة واحدة، بعد أن فقدت كل ألعابها في منزلها بغزة.

يرى كريرة أن هذه العروض المسرحية، تستهدف الأسرة بأكملها وليس الطفل وحده، ويقول: "نحاول أن نشجع الأطفال على استثمار المواهب ومخلفات البيئة، وعدم التنمر، خاصةً في ظل الظروف الحالية، فقد نجد طفلًا يرتدي ملابس أكبر من مقاسه، أو حذاءً مهترئًا، وكلها تجعل من هؤلاء الأطفال مادة للتنمر لدى أقرانهم".

يعكف كريرة بالتعاون مع مؤسسات في ذات المجال، على إنتاج عروضٍ مسرحية تهتم بالتعليم، وحث الأطفال على التعلم، واستعادة المهارات الأساسية، كالاستماع والتحدث والقراءة.

وبمساعدة زوجته وأبنائه، يحاول ترتيب العروض لصعوبة تكوين فريق عمل بسبب الفصل بين المحافظات وسفر البعض منهم، فكانت أسرته هي جمهوره الأول وفريقه الذي سانده في عمله، قبل أن يتمكن من جمع عدد من أفراد الفريق.

 يؤمن كريرة أن الفن بأشكاله وأنواعه المختلفة هو أحد أشكال المقاومة، والدفاع عن القضية الفلسطينية، وهو ما جعل فنانًا أسبانيًا يستعين بدميتين من دمى كريرة، ليقيم جدارية ثابتة لخمس سنوات قادمة، ستكون قادرة على تعريف الناس بالقضية الفلسطينية وحرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة.

وبالإضافة للعروض المسرحية المتواصلة في مخيمات النزوح، التي تجاوز عددها 40 عرضًا، شارك كريرة في سلسلة أفلام "من المسافة صفر"، عبر فيلم (صبابا)، الفيلم الذي يتناول قصة فلسطيني فقد الذاكرة في حرب 2014م، وعادت له ذاكرته في الحرب الحالية، ليجد نفسه في خيمة ولديه زوجة وطفل.

تمر الأحداث سريعًا، فيعيش ظروف حربٍ جديدةٍ مرعبة، فيظن الرجل أن الأمان بأن يعود لفقدان الذاكرة، لكن تسعى الزوجة لإقناعه بأن الأمان بأن لا ننسى.

ويجوب الفيلم اليوم برفقة مجموعة من أفلام "المسافة صفر" المهرجانات العربية والدولية، بينما ما زال كريرة يعيش في الخيمة، ويتذكر كيف خرج هذا الفيلم للنور، واصفًا كواليس تصويره وإنتاجه بالمضحكة المبكية.

"اضطررنا لوضع الكثير من البطانيات والفرشات لكتم الأصوات المحيطة، وتأجيل إنتاج الصوت لأكثر من مرة. حتى مهمة العثور على مهندس صوت لديه كهرباء ولابتوب، كان أمرًا غايةً في الصعوبة".

يقول: "اضطررنا لوضع الكثير من البطانيات والفرشات لكتم الأصوات المحيطة، وتأجيل إنتاج الصوت لأكثر من مرة. حتى مهمة العثور على مهندس صوت لديه كهرباء ولابتوب، كان أمرًا غايةً في الصعوبة، بالإضافة لكثير من التحديات الأخرى".

يطمح كريرة أن يتمكن من إنشاء مسرحٍ متنقلٍ كبير، يطوف كل المخيمات والشوارع، وأن يقدّم خلاله ورشات رسم وكتابة وتصنيع دمى؛ "لنثبت للعالم أن غزة كانت تنتج فنًا بينما كانت تتلقى قذائف الموت من السماء" يختم.

كاريكاتـــــير